gocorporation
download
كتاب التوحيد - 13
307
عناصر المادة:

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١]، اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْوالرب الثاني؟طالب: ما فيه.الشيخ: ما فيه رب ثانٍ، يكون هذا القيد لبيان الواقع، أنه هو الذي خلقنا، وهو الذي خَلَقَ مَن قبلَنا.كذلك قوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء: ٢٣]، اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْهذا لبيان الواقع الأغلب.كذلك يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤]، إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، هل دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام لأمته ينقسم إلى قسمين: دعاء لما يحيي، ودعاء لما لا يحيي؟طالب: لا.الشيخ: أو كله حياة؟طالب: كله حياة.الشيخ: كله حياة، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢]، ولكن هذا لبيان؟طالب: الواقع.الشيخ: الواقع، إذا عرفت ذلك، فاعلم أن كل قيد يراد به بيان الواقع فإنه كالتعليل للحكم؛ فمثلًا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة: ٢١]، يا أيها الناس اعبدوا ربكم لأنه خلقكم، وخلق الذين من قبلكم، ولا تدعُ من دون الله أحدًا؛ لأنه لا ينفعك ولا يضرك.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ؛ لأنه لا يدعوكم إلا لما يحييكم، فهذه فائدة أيضًا فيما إذا كان القيد يراد به بيان؟طالب: الواقع.الشيخ: الواقع، أن هذا القيد يكون؟طالب: كالتعليل.الشيخ: كالتعليل للحكم، يكون كالتعليل للحكم، كأنه يقال: هذا الحكم كذا لكذا وكذا، فهنا: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ [يونس: ١٠٦] لماذا؟ لأنه لا ينفعك؟ ولا يضرك، فعلى هذا لا يكون هذا القيد شرطيًّا بحيث يكون له مفهوم؛ لأنك لك أن تدعو من ينفعك ويضرك؛ لأن هذا أمر ليس بموجود.قال: فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦] الله أكبر، الله يقول للرسول: إن فعلت، فيم فعلت؟طالب: دعوت من دون الله.الشيخ: دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، فَإِنَّكَ إِذًاأي: حالَ فعلِك مِنَ الظَّالِمِينَ، شوف الآيات، سبحان الله العظيم! فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ(إِنْ) أظن الشرطية، ولَّا نافية؟طالب: شرطية.الشيخ: وجواب الشرط؟طالب: فَإِنَّكَ.الشيخ: فَإِنَّكَالجملة، وقوله: إِذًاهذا قيد؛ لأن إِذًاللظرف، أيُّ ظرف؟طالب: إذن تكون للظَّرف.الشيخ: إي، لكن ماضٍ، ولَّا حاضر، ولَّا مستقبل؟طالب: مستقبل.طالب آخر: حاضر.الشيخ: حاضر؛ يعني: فإنكَّ حين فعله من الظالمين، ولكن قد تتوب منه فيزول عنك وصفُ الظلم، فالإنسان قبلَ فعلِ المعصية ليس بظالم، وبعد فعل المعصية إذا تاب عنها، يزول عنه وصف الظلم، لكنه حين فعل المعصية؟طالب: يكون ظالمًا.الشيخ: يكون ظالمًا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فقيَّد ذلك بانتفاء الإيمان عنه، متى؟ حال الفعل، فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ، ما نوع هذا الظلم؟طالب: الشرك.الشيخ: الشرك، هذا ظلم شرك، قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، ولم يقل الله تعالى: إنك من المشركين، عدل عن التعبير بقوله: (إنك إذًا من المشركين) إلى قوله: مِنَ الظَّالِمِينَ؛ لأجل أن يُبيِّن أن الشرك ظلم، كيف ذلك؟ لأن كون الداعي لغير الله مشركًا أمر بيِّن؟طالب: إي نعم.الشيخ: لكن كونه ظالمًا، قد لا يكون أمرًا بيِّنًا من الآية، فلو قال: (فإنك إذًا من المشركين)، صار المعنى أن الله أخبر بأن الذي يدعو من دون الله مشرك، وهذا المفهوم من الحكم من الأول، لكن إذا قال: مِنَ الظَّالِمِينَمعناه أنه سجَّل على هذا الشرك بأنه ظلم، ثم قال تعالى:طالب: شرك أعظم؛ لأن الظلم قد يكون بما هو من دون الشرك؟الشيخ: إي، لكن إذا ذكر بمقامِ الشرك فهو شرك، فيبين أنه ظلم، كما قال الله تعالى: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣].طالب: وصفه بالعظم.الشيخ: بأنه عظيم نعم، ما دام السياق في الشرك فهو ظلم الشرك، اللي هو الظلم العظيم.طالب: لو قلنا على حسب حال الداعي، قد يكون شركًا أصغر، قد يكون شركًا أكبر.الشيخ: ما فيه تفصيل، الدعاء شرك أكبر.(قال: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [الأنعام: ١٧]).وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ، يَمْسَسْكَبمعنى: يصبك بضُرٍّ؛ كالمرض، والفقر، ونحو ذلك.فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ، لَانافية للجنس، واسمها؟طالب: كَاشِفَ.الشيخ: كَاشِفَ، وخبرها: لَهُ، وإِلَّا هُوَبدل، وإذا قلنا بجواز أن يكون خبرها معرفة صار خبرها هُوَ؛ يعني: ما أحد يكشفه أبدًا إذا مسك الله بضر إلا الله، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ» .(وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس: ١٠٧]).وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍوهنا قال: يُرِدْكَ، وفي الضرر قال: يَمْسَسْكَفهل هذا من باب التفنن في العبارة كما يقولون: إن من فصاحة الكلام أنه ما يُرَدِّد الألفاظ التي بمعنى واحد، أو نقول: إن هناك فرقًا معنويًّا؟طالب: هناك فرق معنوي.الشيخ: ما هو؟ ما الفرق المعنوي؟طالب: أن إمساس الشيء هو إرادة الخير (...)، وأن الشر (...) غير مراده.الشيخ: إي، أنت أحسنت، ولكن ما وقعت.طالب: (...).طالب آخر: لأن كون الإمساس الإرادة بالخير (...)، كأنه يعني أبلغ من الإمساس؛ لأن الله أرحم من أن يجعل الشر يلتزم بالإنسان، أما الخير فهو.. هذا الفرق بين العبارتين.الشيخ: (...) خبر المبتدأ.طالب: الفرق بين العبارتين كما قلت.الشيخ: ما قلت؟طالب: الضرر يُطلَب رفعُه بعد أن ينزل، والآية في سياق (...) أن الله ينفع العبد، فالضر يُرفَع بعد أن (...) الضر؛ أما الخير فيطلب مجيئه، فإذا جاء لا أحد يستطيع منعه (...) يراد بالعبد (...) الضرر، وأما الخير.الشيخ: لا، أنا قصدي لماذا عبر عن الضر بالمس، وعن الخير بالإرادة؟طالب: هو عبر بالمس (...).الشيخ: إحنا ما مر علينا أن الأشياء المكروهة لا تُنسب إلى إرادة الله؟ تنسب إلى فعله، لا إلى إرادته؛ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠] فالمس من فعل الله، والضر الذي يمس الإنسان من مفعولاته، الضر من مفعولاته، فلا يريد سبحانه وتعالى الضرر، هو لا يريد الضرر، بمعنى أنه إذا أصاب الإنسان بضر، لا يريد الضرر، لكن يريد ما وراء ذلك من الحكم البالغة؛ «إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَو أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى» .أما الخير، فهو مراد لله ومفعول له، فهمتم الفرق الآن؟ اتضح ولَّا أنا أزيده إيضاحًا إن شاء الله؟أقول: إن الضرر لا يكون مرادًا لله، بمعنى أن الله لم يُرِد أن يُضِرَّ عباده، ولو حصل من تقديره ضرر، لماذا؟ لأن هذا الضرر الذي حصل، ويش يراد به؟طالب: ما وراءه.الشيخ: يراد ما وراءه من الحكم البالغة التي هي خير، ومحل ثناء على الله عز وجل، أما الخير فهو مراد لذاته؛ ولهذا قال: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍأما الضرر فلا يراد لذاته بالنسبة لله عز وجل ولهذا لم يعبر عنه بالإرادة، والذي يقرب هذا الذي في سورة الجن: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠] فمثلًا إذا أصيب الإنسان بمرض، فهل أراد الله بهذا المريض الضرر، ولّا لا؟ لا ما أراد الضرر.هو أراد المرض صحيح وهو يضره، لكنه لم يرد ضرره، بل أراد خيرًا وراء ذلك المرض ينتج عنه، وحكمة بالغة، قد تكون الحكمة ظاهرة في نفس المصاب، وقد تكون الحكمة ظاهرة في غيره أيضًا وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٢٥].فالمهم أن ما لنا أن نتحجر حكمة الله؛ لأنها أوسع من عقولنا، لكننا نعلم علم اليقين أن الله تعالى لا يريد الضرر؛ لأنه ضرر، فالضرر عند الله ليس مرادًا لذاته، بل مراد لغيره، ولا يترتب عليه إلا الخير، أما الخير فهو مراد لذاته، والله أعلم بما أراد في كلامه، لكن هذا الذي يتبين لي.قال: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس: ١٠٧]، ما أحد يستطيع أن يرد فضل الله أبدًا، ولو تجتمع الأمة كلها على أن يَرُدُّوا فضل الله ما استطاعوا أن يردوه أبدًا، هذا شيء مستحيل، «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ» ، ففضلُ الله عز وجل لا أحد يستطيع أن يُرَدَّه، وإذا آمنا بهذا الإيمان، فمعنى ذلك أننا نعتمد على من؟طالب: على الله.الشيخ: على الله وحده، نعتمد على الله وحده في الدعاء؛ في جلب المنافع، ودفع المضار، وأن نعتمد عليه في بقاء ما أنعم علينا به، وأن نعلم أن الأمة مهما بلغت من الكيد والمكر والحيل لتمنع فضل الله، فإنها لا تستطيع أن تمنعه؛ ولهذا قال: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس: ١٠٧]، يُصِيبُ بِهِأي بأيش؟طالب: بالخير.الشيخ: بالخير الذي أراد، أو بفضله. وهما متلازمان؛ فالضمير إما أن يعود على الفضل، أو يعود على الخير؛ يعود على الخير لأنه هو المتحدث عنه، ويعود على الفضل لأنه أقرب، يُصِيبُ بِهِأي: بالخير بعد أن يريده، يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُأو بالفضل، مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.وقوله: مَنْ يَشَاءُلا يغيب عن بالكم ما قررناه كثيرًا في أن كل فعل يُقَيَّد بالمشيئة فهو؟ مقيد لحكمة أيضًا؛ لأن مشيئة الله سبحانه وتعالى ليست مشيئة مجردة يفعل ما يشاء لمجرد أنه يفعله فقط، ولكنه لحكمة، كلما شفت في القرآن شيئًا مقيدًا بمشيئة فاعلم أنه مقرون بالحكمة؛ لأن من صفات الله سبحانه وتعالى أنه الحكيم، من أسمائه الحكيم، فهو ذو الحكمة البالغة.يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِقوله: مِنْ عِبَادِهِالعبودية هنا العامة، ولّا الخاصة؟طالب: الخاصة.طالب آخر: العامة.الشيخ: العامة فيما يظهر؛ لأن قوله: بِخَيْرٍيشمل خير الدنيا والآخرة، وخير الدنيا يأتي للكفار، خير الدنيا يصيب الكفار؛ كالرزق، والصحة، وغير ذلك.وقوله: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الْغَفُورُمعناه: ذو المغفرة، والمغفرة: هي سِتر الذنب والتجاوز عنه، والرَّحِيمُمعناه: ذو الرحمة، وهي صفة تليق بالله سبحانه وتعالى تقتضي الإحسان والإنعام.الشاهد من هذه الآية قوله: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ [يونس: ١٠٦]، فقد نهى الله نبيه عن أن يدعو من دون الله من سواه؛ لأنه لا ينفع ولا يضر.طالب: هذا الصحيح.الشيخ: ثم قال: (وقوله: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت: ١٧]).الحقيقة أنني أتمنى لو أن المؤلف رحمه الله أتى بأول الآية إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ.طالب: عندي موجودة من الأول.الشيخ: اقرأ.طالب: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.الشيخ: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا} أجل عندي ما هي موجودة، على كل حال وجودها أولى، النُّسَخ اللي فيها موجودة أحسن.طلبة: (...).الشيخ: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًاهم ماذا يعبدون؟ يعبدون الأوثان من شجر، وحجر، وغيرها، هل هذه تملك لهم رزقًا؟ أبدًا، لو يدعونها إلى يوم القيامة ما جابت لهم ولا حبة عنب، ولا حبة بر، ولا دفعت عنهم أدنى مرض، ولا أغنتهم من أدنى فقر، فإذن هي لا تملك الرزق، إذا كانت هذه الأصنام التي تُعبَد من دون الله لا تملك الرزق، فمن الذي يملكه؟طالب: الله.الشيخ: الله عز وجل؛ ولهذا قال: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ، (ابتغوا): اطلبوا عند الله الرزق؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الذي لا ينفد ما عنده مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل: ٩٦]، فأنت إذا أردت أن تطلب رزقًا فاطلبه من الله، أما هذه الأوثان فإنها لا تنفعك، ولكن الرزق عند الله عز وجل؛ ولهذا قال: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ، شوف عِنْدَ اللَّهِقدَّم الحال؛ لأن عند الله حال من الرزق، كأنه قال: فابتغوا الرزق حال كونه عند الله لا عند غيره، والحال موضعها التأخير عن صاحبها، وهنا قدمت على صاحبها، وتقديم ما حقه التأخير يفيد؟طالب: الحصر.الشيخ: الحصر؟طالب: إي نعم.الشيخ: تقولونها عن اقتناع؟طالب: إي نعم.الشيخ: ولا بس كالببغاء؟ نقول الآن: عِنْدَ اللَّهِمحلها النصب على أنها؟طالب: حال.الشيخ: حال من الرزق، وموضع الحال؟طالب: متأخر.الشيخ: متأخر عن صاحب الحال. وهنا قدم على الحال، وتقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر، كأنه يقول: ابتغوا الرزق عند الله، لا عند غيره.وَاعْبُدُوهُحينما أمرنا سبحانه وتعالى أن نطلب الرزق عنده قال: وَاعْبُدُوهُأي: تذللوا له بالطاعة؛ لأن العبادة مأخوذة من التعبيد، وهو التذليل، ومنه قولهم: طريق مُعَبَّد، أيش معنى معبد الطريق؟طالب: مذلل.الشيخ: مذلل للسالكين، قد أزيل عنه الأحجار والأشجار المؤذية وغير ذلك، أي تذلَّلوا له بالطاعة؛ لأنكم إذا تذللتم له بالطاعة، فهو من أسباب الرزق؛ قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣]. فأَمَر بأن نطلب الرزق عنده، ثم أعقبه بقوله: وَاعْبُدُوهُإشارة إلى أن تحقيق العبادة من طلب الرزق؛ لأن العابد ما دام أنه يؤمن بأن مَن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، عبادته تتضمن الطلب بلسان الحال، لأيش؟ للرزق.وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت: ١٧]، وَاشْكُرُوا لَهُإذا أضاف الله الشكر له، فإنه يتعدَّى باللام، أو لا؟طالب: نعم.الشيخ: كذا؟ هل تذكرون آية من القرآن صار الشكر فيها شكر الله مُعَدًّى بدون اللام؟طالب: (...).الشيخ: هذه ما هي بشكر.طالب: فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ [لقمان: ١٢]، أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ.الشيخ: هاه؟طالب: وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ.الشيخ: اشْكُرْ لِلَّهِما هي بأن اشكر الله.طالب: وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة: ١٥٢].الشيخ: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي، لا تكن مثل الأعرابي؛ لأنه ما لقى آية (...) أنا لا أفضحه، ولكن (...).طالب: وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ.الشيخ: إي.طالب: (...) يشكر لله.الشيخ: لله، إي لله، إنما الحكمة من كون الشكر لا يتعدى لمن سوى الله، هو إشارة إلى الإخلاص، اشكروا نعمة الله لله، فشكر النعمة هو أن يكون الإنسان مخلصًا بذلك الشكر لله عز وجل، فاللام هنا لإفادة الإخلاص؛ أن يكون شكرك لله عز وجل على نعمته خالصًا له؛ لأن الشاكر قد يشكر لا لله، ولكن لتبقى النعمة، وهذا لا شك إنه لله، لا بأس به، لكن كونه يشكر لله ويأتي بقاء النعمة هذا هو المطلوب، أن يكون شكرك النعمة لمن؟طالب: لله.الشيخ: لله، الذي أسداها إليك، وأعطاك إياها.والشكر فسَّرُوه بأنه: طاعة المنعم، هذا الشكر. وقالوا: إنه يكون في ثلاثة مواضع: يكون بالقلب، واللسان، والجوارح.أما القلب: فأن يعترف الإنسان بقلبه بأن هذه النعمة منين؟طالب: من الله.الشيخ: من الله، فيرى لله فضلًا عليه بها، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣]، وأهم شيء ما أنعم الله عليك من نعمة الإسلام، فإنها أعظم نعمة يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ [الحجرات: ١٧].أما اللسان: فهو التحدث بها على وجه الثناء على الله، لا على وجه الفخر والخيلاء والترفع على عباد الله، تحدث بنعمة الله عليك بالغنى، ما هو لأجل تكسر خاطر الفقير، أو لأجل أن تعلو على بني جنسك، لا، ويش لأجله؟ لأجل الثناء على الله بها، تقول: أعطاني الله تعالى كذا، وأعطاني كذا، وأعطاني كذا، مثل قصة الأعمى، وهو الرجل الثالث من الثلاثة من بني إسرائيل، لما ذَكَّره الملك بنعمة الله، قال له: نعم، قد كنت أعمى فردَّ الله عليَّ بصري، وكنت فقيرًا فأعطاني الله المال ، هذا من باب أيش؟ التحدث بنعمة الله، والنبي عليه الصلاة والسلام تحدث بنعمة الله عليه، بالسيادة المطلقة، فقال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وعلى هذا يكون التحدث بنعمة الله؟طالب: على وجه الثناء عليه.الشيخ: على وجه الثناء عليه بها والاعتراف، وعدم الجحود.أما الثالث: قلنا: الثالث ما هو؟طلبة: الجوارح.الشيخ: الجوارح، بأن تستعمل هذه الجوارح في طاعة المنعم، وعلى حسب ما يختص بهذه النعمة.فمثلًا: نعمة العلم شكرك الله عليها: أن تعمل بعلمك، وتعلِّمه الناس؛ أن تعمل به، وتعلِّمه الناس، شكرك الله على المال، أيش؟طالب: أن تصرفه في طاعة الله.الشيخ: أن تصرفه في طاعة الله، وتنفع الناس منه؛ يعني: معنى أن الشكر في كل نعمة بما يخصها.شكر الله من على القوة، والشجاعة، أيش؟طالب: أن تدافع عنه.الشيخ: أن تجاهد.طالب: في سبيل الله.الشيخ: في سبيل الله، فلكل نعمة شكر يخصها؛ لأن نعمة أخص، ولا جميع الطاعات تدخل في شكر النعمة، شكر نعمة الله عليك بالطعام مثلًا: أن تستعمله فيما أنعم الله به عليك من أجله، في تغذية البدن، أما أنت تبغي تبني مثلًا من العجين قصر، يصلح؟طالب: لا.الشيخ: لا، هذه ما خلقت لهذا الشيء.فالمهم أن الإنسان يستعمل الشكر في كل موضع بما يناسبه، هذا بالنسبة لأعمال الجوارح.وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَإِلَيْهِجار والمجرور، متعلق بأيش؟طالب: بالسبب.الشيخ: تُرْجَعُونَ، وتقديمه يدل على؟ الحصر؛ يعني أن رجوعنا إلى الله عز وجل، وهو الذي سيحاسبنا على ما حملنا إياه من الأمر بالعبادة، والأمر بالشكر، وطلب الرزق منه.الشاهد من هذه الآية قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ، الفقير إذا أراد أن يستغيث بمن ينجيه من هذا الفقر، بمن يستغيث؟طالب: بالله.الشيخ: بالله عز وجل، هو الذي (...)، وفي الآية هنا إشكال مع قوله تعالى: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء: ٨]، وهو يقول هنا سبحانه وتعالى: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ(...).الاستغاثة هي طلب الغوث، وأنها تكون بالله، وتكون بغير الله.أما الاستغاثة بالله: فهي من أقسام التوحيد والعبادة، والاستغاثة بغيره: تنقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون فيما يقدر عليه المستغاث به فهذه جائزة، والثانية: فيما لا يقدر عليه المستغاث به فهذه؟طالب: غير جائزة.الشيخ: غير جائزة، وهي نوع من الشرك، وقد تصل إلى حد الشرك الأكبر، وبينا فيما سبق دليل الجائز من هذا القسم، وتقدم الكلام على بعض الآيات التي ساقها المؤلف وهي قوله تعالى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ [يونس: ١٠٦]، وبينَّا أن هذا القيد مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ؟طالب: لبيان الواقع.الشيخ: لبيان الواقع، وأنه ليس له مفهوم، وهو كقوله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [المؤمنون: ١١٧]، فليس المعنى أن هناك إلهًا آخر يدعى وله برهان، وبينا أن الفائدة من ذكر مثل هذه الصفة التي يسميها بعض الناس صفة كاشفة أن الفائدة من ذلك هو؟ أنها كالتعليل بالحكم المقرونة به، وبينا أنه إذا كان هذا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه يوصف بالظلم إذا فعل ذلك فغيره من باب أولى، وبينَّا أيضًا أن المعلق لا يستلزم وقوع المعلق عليه، وهو قوله: فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦]، فليس معنى ذلك أنه من الأمر الممكن، فقد يُعلَّق الشيء على أمر؟طالب: غير مستحيل.الشيخ: غير مستحيل غاية الاستحالة، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١]، وكل هذا أمر لا يمكن، وبينا فيما سبق وجه استدلال المؤلف بهذه الآية في قوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [الأنعام: ١٧]، وأنه إذا كان لا يكشف الضر إلا الله سبحانه وتعالى فإنه ليس من الحكمة ولا من العقل أن يتوجه الإنسان إلى غير الله.وبينَّا أيضًا معنى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ، وأنها تدل على أنه إذا كانوا لا يملكون لنا الرزق فكيف نستغيث بهم.ثم قال المؤلف: (وقوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف: ٥]).مَنْاسم استفهام وهو مبتدأ، وأَضَلُّخبر المبتدأ، ومعلوم أن الاستفهام هنا يراد به النفي، أي: لا أحد أضل، وأضل اسم تفضيل، لا أحد أضل من هذا، والضلال: هو أن يتيه الإنسان عن الطريق الصحيح، هذا الضلال.(وقوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو) مر علينا أنه إذا صيغ الاستفهام يراد به النفي أنه أبلغ من النفي المجرد، لماذا؟طالب: لأنه يجعله غير استفهام.الشيخ: لأنه يحوله من نفي إلى تحدٍ، فـ(من أضل) يعني يتحدى؛ يعني: دوَّر لي على أحد أضل ممن يدعو من دون الله.فالاستفهام الذي بمعنى النفي متضمن لأي شيء؟ للتحدي، وهو أبلغ من قوله: لا أضل ممن يدعو، أبلغ؛ لأن هذا نفي مجرد، وذاك نفي مُشرَب، أو متضمن لأيش؟طالب: للتحدي.الشيخ: للتحدي؛ يعني: إن كنت صادقًا فأرني، مِمَّنْ يَدْعُومتعلق بـ(أضل). مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ يَدْعُوهنا يراد بها دعاء العبادة، ودعاء المسألة، يشمل الأمرين: دعاء المسألة، ودعاء العبادة.وقوله: مِنْ دُونِ اللَّهِأي: سواه، وقوله: مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ مَنْويش إعرابها؟طالب: اسم موصول بمعنى الذي.الشيخ: (مَنْ) بمعنى الذي، لكن محلها من الإعراب؟طالب: مفعول.الشيخ: مفعول.طالب: يَدْعُو.الشيخ: مفعول يَدْعُو.يَدْعُو مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِيعني: إلى يوم القيامة ما يستجيب، لو يبقى كل عمر الدنيا يدعو هذا ما استجاب له، قال الله تعالى في آية أخرى: إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: ١٤]، من هو عنه الخبر هذا؟طالب: الله عز وجل.الشيخ: وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٤] يعني نفسه سبحانه وتعالى. الآن مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥].قوله: مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْأتى بـ(من) وهي للعاقل مع أنهم يعبدون الأصنام، والأشجار، والأحجار، والأموات، وهي عاقلة ولَّا لا؟طلبة: لا.الشيخ: ليست عاقلة، لكنهم لما عبدوها نزلوها منزلته، فخوطبوا بمقتضى ما يدعون؛ لأنه أبلغ في إقامة الحجة عليهم، إذ لو قيل: ما لا يستجيب له، لقالوا: نعم لنا عذر، مما يستجيبون لنا؛ لأنهم غير عقلاء، لكن إذا قيل: من، هذا فيه حجة عليهم، فالحكمة عن العدول عن التعبير بما إلى التعبير بمن؛ إقامة الحجة عليهم في أنهم يدعون من يرونهم عقلاء، ومع ذلك لا يستجيبون لهم، فهذا من بلاغة القرآن، أنه تَنَزَّل معهم في مخاطبتهم ليقيم الحجة عليهم؛ لأنه لو أتت (ما) لقالوا: نعم والله، هذا ما يستجيب لنا؛ لأنه ما يعقل، لكن إذا جاءت (من)، وهم الذين نزلوا هذه الأصنام منزلة أيش؟طالب: العاقل.الشيخ: العاقل، ومع ذلك ما تستطيع تُجيبُهم، لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ هُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، الضمير في قوله: هُمْيعود على (من) باعتبار المعنى، وضمير يَسْتَجِيبُيعود على (من) باعتبار اللفظ، أفهمتم؟ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُواحد ولَّا جماعة؟طالب: باللفظ واحد.الشيخ: يستجيب، واحد، وَهُمْ؟طالب: جماعة.الشيخ: جماعة، ومرجع الضمير في يَسْتَجِيبُكمرجع الضمير في وَهُمْ؟ إلى من؟ أليس كذلك؟طلبة: نعم.الشيخ: لماذا أفرد الضمير مرة، وجمعه أخرى؟ الجواب: أفرده باعتبار اللفظ؛ لأن لفظ مَنْمفرد، وجمعه؟طالب: بالمعنى.الشيخ: باعتبار المعنى؛ لأن مَنْتعود على الأصنام وهي جماعة، وقد مر علينا كثيرًا أن (من) يجوز مراعاة لفظها، ويجوز مراعاة معناها، أو لا؟طالب: نعم.الشيخ: ما مرت، وقلنا: إنه قد يُراعى لفظُها ومعناها في كلام واحد وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ [الطلاق: ١١] شوف؛ راعى اللفظ، ثم المعنى، ثم اللفظ.وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْالضمير في دُعَائِهِمْيعود على من؟طالب: على الداعين.طالب آخر: العابدين للأصنام.الشيخ: من الأصنام؟طالب: (...).الشيخ: هل المعنى: وهم عن دعاء العابدين غافلون؟طلبة: نعم.الشيخ: أو المعنى: وهم عن دعائهم؟طالب: (...) غافلين؛ أي: دعاء العابدين لأنفسهم..الشيخ: غافلين.طالب: أي: دعاء العابدين لأنفسهم.طلبة: (...).الشيخ: تأملوا فيها مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَهل المعنى عن دعاء الغافلين إيَّاهم؟ فيكون على هذا من باب إضافة المصدر إلى مفعوله؛ يعني: عن دعاء العابدين إياهم، وَهُمْأي: الأصنام، عَنْ دُعَائِهِمْأي: دعاء الداعين إياهم، فيكون من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، أو المعنى: وهم عن دعاء العابدين لهم، ويكون مفعول دعاء محذوف، ويكون دعاء هنا مضافًا إلى فاعله.طالب: كلا المعنين.الشيخ: إي صحيح، هو جائز، كلا المعنيين، يجوز هذا وهذا، لكن أيهما أبلغ؟ أن يقول: عن دعائهم يعني إذا دُعوا هم غافلون؟طالب: (...).الشيخ: هذا في الحقيقة أبلغ؛ يعني: عن دعاء العابدين إياهم أبلغ، عن دعاء العابدين على سبيل الإطلاق؛ لأن عن دعائهم، عن دعائهم مَن؟ لازم تُقدِّر المدعو محذوفًا، فإذا قلت: عن دعائهم، أي: عن دعاء العابدين إياهم، وجعلت الضمير هنا يعود على المدعو صار المعنى أن هذه الأصنام غافلة عن دعوة هؤلاء إياهم، فيكون هذا أبلغ في أن هذه الأصنام لا تفيدهم شيئًا هُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، هذا في الدنيا، غافلون ما يمكن أن يستجيبوا لهم، فإن كانوا من الكفار المغلو فيهم، فهم والعياذ بالله غافلون في العذاب، وإلَّا فهم غافلون في نعيم، إذا حُشِر الناس قال الله تعالى: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُمتى؟طلبة: يوم القيامة.الشيخ: يوم القيامة كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً [الأحقاف: ٦] هذه أيضًا علام يعود الضمير؟طالب: على العابدين.الشيخ: كان العابدون للمعبودين أعداء، أو كان المعبودون للعابدين أعداء؟طلبة: كلاهما.الشيخ: هذا من بلاغة القرآن، سبحان الله العظيم! (...) في عبادة هؤلاء لهم، فينكرون، حتى الملائكة يقولون: سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا [الفرقان: ١٨] الشاهد من هذه الآية قوله؟ الشاهد استرجعوا؟طالب: مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ.الشيخ: نعم، مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِإذا كان من سوى الله لا يستجيب لك إلى يوم القيامة، فكيف يليق بك أن تستغيث به دون الله؟! فبطل بذلك تعلُّق هؤلاء العابدين بمعبوداتهم، فالذي يأتي إلى البدوي في مصر ويقول: وا سيدي البدوي، وا سيدي الدسوقي، أغثني، المدد المدد، وما أشبه ذلك، هل يغني ذلك عنهم شيئًا؟طالب: لا يغني.الشيخ: أبدًا، لا يغني عنهم شيئًا، بل لا يزيدهم إلا تحسُّرًا والعياذ بالله، وقد يفتن الإنسان فيصادف القدر حصول مطلوبه عند هذا الشيء، لا بهذا الشيء، هذا لا بأس أن نختار مذهب؟طالب: الأشاعرة.الشيخ: الاشاعرة، إذن حصل عنده؟طالب: لا به.الشيخ: لا به، لماذا؟ لأننا نعلم علم اليقين أن دعاء هؤلاء ما ينفع، الله في القرآن يقول: ما ينفع مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِفي العراق الجيلاني، في سوريا ابن عربي، وفي جميع الأقطار مع الأسف الشديد، في الأقطار الإسلامية من هذا النوع، قبور أو اللي يزعمون أنهم أولياء، يقولون: إنها تنفع، وأنها تكشف الضر، وأنها تجلب النفع، ومع ذلك لا شك أنها لا تنفع، لو بَقَوْا إلى يوم القيامة ما أجابتهم، حتى إن الحسين بن علي بن أبي طالب بقدرة قادر كان ثلاثة رجال، تيجي للعراق يقولون: عندهم، تيجي للسوريين يقولون: عندنا، تأتي للمصريين يقولون: عندنا، فسبحان من جزأ الواحد.فهذا من السفه في الواضح؛ سفه في العقول، وسفه في الدين، العامة قد لا يُلامون في الواقع، لكن الذي يلام مَن عنده علم؛ من العلماء ومن غير العلماء أيضًا ممن وفق للفطرة السليمة؛ لأن هذا ما يحتاج إلى دراسة، رجل هامد ميت يُقبَر، هو بنفسه يحتاج إلى أن يُدعى له، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأتي إلى المقبرة اللي في المدينة يدعو لهم ولَّا يدعو منهم؟طلبة: يدعو لهم.الشيخ: يدعو لهم، كيف أنك أنت تيجي تطلب منهم المدد؟ هو مسكين الآن يحتاج إلى عفو الله، وإلى مغفرة الله، ما يملك لنفسه شيئًا، فالمهم أن هذه الآية وأمثالها تدل على سفاهة هؤلاء، وأنهم لو اتجهوا إلى الله عز وجل لوجدوا المطلوب.قال: (وقوله: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل: ٦٢]).(أم) هنا منقطعة، ولَّا متصلة؟ اللي بيجيب أبي أطالبه (...)، أم متصلة ولَّا منقطعة؟طالب: منقطعة.الشيخ: منقطعة، ما الفرق بين المنقطع والمتصل؟طالب: المنقطعة بمعنى: بل.الشيخ: نعم، والمتصلة؟طالب: بمعناها الحقيقي.الشيخ: ويش؟ المتصلة بمعنى (أو)، والمنقطعة بمعنى (بل)، الفرق الثاني: المتصلة لا بد فيها من ذكر المعادل، والمنقطعة لا يشترط فيها ذكر المعادل، تقول: أعندك زيد أم عمرو؟طالب: متصلة.الشيخ: متصلة ولَّا منقطعة؟طالب: متصلة.الشيخ: هذه متصلة، أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥] هذه أيضًا متصلة.أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الطور: ٣٦]؟ هذه منقطعة؛ لأنها ما تعادل ما قبلها أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؛ يعني: بل أخلقوا السموات والأرض؟ فصاروا الآن.. هنا أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّما ذكر لها معادلًا، فتكون؟طالب: منقطعة.الشيخ: منقطعة بمعنى (بل)، والهمزة، من يجيب المضطر إذا دعاه؟الْمُضْطَرَّأصلها المضتر الذي أصابه الضَّرر، والذي أصابه الضرر يدعو من يزيل عنه الضرر، وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: ٨٣]، متى استجيب؟طالب: (...).الشيخ: متى؟طالب: في الحال.الشيخ: في الحال فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ [الأنبياء: ٨٤]، في البحر تهب الرياح وتعلو الأمواج فيدعون الله عز وجل فيكشف ما بهم ولَّا لا؟طالب: نعم.الشيخ: يكشف ما بهم في الحال، وكم من ضرورة وقع فيها الإنسان فدعا الله عز وجل فاستجاب له رأي العين، ما فيها يعني أي إشكال، فمن الذي يجيب المضطر؟ أبوه؟طالب: لا.الشيخ: أمه؟ قريبه؟ لا، ما يجيب ضرورته إلا الله عز وجل؛ ولهذا قال لكن لا الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُقيده؛ لأن المضطر إذا لم يدعُ الله قد يكشف ضره، وقد لا يكشف، لكن إذا دعا التجأ إلى الله عز وجل، وأظهر افتقاره إلى ربه وحينئذ تنزل عليه الرحمة إذا دعاه.وقوله: وَيَكْشِفُ السُّوءَيَكْشِفُبمعنى: يزيل، والسُّوءَما يسوء المرء، وهو دون الضرورة؛ لأن الإنسان قد يساء بما لا يتضرر به، لكن كل ضرورة فهي؟طالب: سوء.الشيخ: تسوء الإنسان، وَيَكْشِفُ السُّوءَهل هذه معطوفة؛ يعني: هي معطوفة باللفظ، لكن هل هي متعلقة بما قبلها بالمعنى، وأنه إذا أجابه كشف سوءه، أو هي مستقلة، يجيب المضطر إذا دعاه ثم أمر آخر يكشف السوء، المعنى الأخير أعم؛ لأنها تشمل كشف سوء المضطر، أيش بعد؟طالب: وغيره.الشيخ: وغيره، وعلى التقدير الأول، تكون خاصة بكشف سوء المضطر، ومعلوم أنه كلما كان المعنى أعم كان أولى.وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِهذه أيضًا مما تؤيد إن كل جملة مستقلة عن الأخرى، وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِمن الذين يجعلون خلفاء الأرض؟طالب: عباد الله.الشيخ: عباد الله الصالحين وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥]، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: ٥٥]، هذا هو الذي يجيب المضطر ويكشف السوء، ويجعلنا خلفاء الأرض مَن؟طالب: عباد الله الصالحين.الشيخ: ولهذا قال: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل: ٦٢] وهذا الاستفهام بمعنى النفي، أو بمعنى الإنكار، وهما متقاربان، يعني هل أحد مع الله يفعل ذلك؟ الجواب: لا، لا أحد يفعل ذلك، فإذا كان الأمر هكذا فإنه يجب أن تُصرَف العبادة إلى الله، يجب أن يُوجَّه السؤال إلى مَن؟ إلى الله، هل تَطْلُب من أحد أن يزيلَ ضرورتك وهو لا يستطيع؟طالب: لا.الشيخ: يكشف سوءك وهو لا يستطيع؟ لا.ولكن يبقى عندنا إشكال في أن الإنسان المضطر يدعو غير الله ويستجيب، مثلًا: إنسان مضطر إلى طعام، قال لصاحب الطعام: أعطني من الطعام، أنقذني، يجوز ولَّا لا؟طلبة: يجوز.طالب: لأنه يملك الطعام.الشيخ: يجوز، لكن يجب أن تعتقد أن هذا سبب، لا مستقل، فالله تعالى جعل لكل شيء سببًا، هذا السبب يمكن الله يصرف قلبه ويقول: ما أنا معطيك، أليس كذلك؟طالب: بلى.الشيخ: ممكن، ويمكن أن الله سبحانه وتعالى يُسَخِّره لك ويعطيك، فأنت عندما تسأل، ما نقول: لا تسأل أحدًا عند الضرورة، إذا كان يستطيع أن يكشف ضرك، اسأله لكن يجب أن تعتقد أنه أيش؟طالب: سبب.الشيخ: مجرد سبب، كما أنك تأكل وتعتقد أن هذا الأكل يَسُدُّ جوعتك على أنه مجرد سبب، ولو شاء الله لأكلت ولا شبعت.ويُذكَر لنا أن سنة مرَّت على البلاد، يُسمِّيها العوام سنة الجوع، يأكلون ولا يشبعون، وحدثني إنسان أدركتُه حيًّا رحمه الله يقول: إنه دخل من طرف البلد ليشتري لهم تمرًا، فدخل وذهب إلى شخص من الناس وأخذ التمر منه، ما هو شراء يبغي يجيب من صاحب البستان (...) وصلوه إلى صاحب البستان، قالوا: (...) تمر، فذهب وجاء إلى صاحب المحل، وقال: أعطني تمرًا، فأعطاه التمر، أظنكم تعرفون الزنبيل؟طلبة: نعم.الشيخ: الزبيبي بس ما هو الزبيبي الكبير، أعطاه إياه وقال: اطلع به إلى الجماعة، يمكن بعضكم يعرف المحفر؟ تعرفون المحفر اللي (...)، أخذه، لكنه قبل ما يأخذه قدم له تمرًا، وقدم له قهوة، تمر (...) ثلاثة كيلو، أكل وطلع والتمر على رأسه، ويأكل التمر ويأكل، لما وصل الجماعة في البستان وإذا التمر (...)، كل الزبيبي أكله، والعياذ بالله، (...) فلو شاء الله لأكلت ولا شبعت، لأنه يقول: كل الأشياء التي يحصل بها الأمور هي مجرد؟طالب: مجرد سبب.الشيخ: مجرد سبب.طالب: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّما نقدر قبلها جملة (...)؟الشيخ: لا، ما لها حاجة.طالب: هل تأتي الهمزة بمعنى النفي؟الشيخ: إي نعم، كل الاستفهام سواء بالهمزة أو بـ(هل) يأتي بمعنى النفي.(وروى الطبراني بإسناده: أنه كان).قوله: (بإسناده) يشير المؤلف وغيره إذا قال: (بإسناده) إلى أن المعنى أن هذا الإسناد ليس على شرط الصحيح مثلًا، أو على الشرط المتفق عليه، بل هو إسناده الخاص وعليه فيجب أن يراجع هذا الإسناد؛ لأنه ليس كل إسناد لمُحدِّث يكون قد تمت فيه شروط القبول.طالب: إسناده تكلم عليه؟الشيخ: على إسناده؟ ويش يقول؟طالب: يقول: ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث ، أقول: وابن لهيعة خلط من احتراق كتبه.الشيخ: إي صحيح، على كل حال إذا وافق رجاله رجال الصحيح قد يوافق، إنما إذا قيل بإسناده فمعناه أن هذا الإسناد يجب أن يُنظَر فيه، فليس من الإسناد المتفق عليه بين الناس، وهو إسناد خاص بهذا المنسوب إليه.وقوله: (أنه كان في زمن النبي) لم يذكر المؤلف الراوي الصحابي، وذكر في الشرح أنه عبادة بن الصامت رضي الله عنه.(أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين) مَن المنافق؟ الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهؤلاء كثروا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام بعد غزوة بدر، لما انتصر المسلمون في غزوة بدر، ورأوا أن للمسلمين شوكة برز النفاق، لأنه كان بالأول الكافر يعلن كفره ولا يبالي، لكن لما قوي المسلمون خافوا وصاروا والعياذ بالله يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.وقوله: (منافق) مَن هذا المنافق؟ لم يذكر ولم يُسَمَّ، فيُحتمَل أن يكون عبد الله بن أُبَيٍّ؛ لأنه مشهور بإيذاء المؤمنين، ويحتمل أن يكون غيره، واعلم أن أذية المنافقين للمسلمين ليست بالضرب أو بالقتل؛ لأنهم لا يتظاهرون بذلك، فإنهم يتظاهرون بأي شيء؟طالب: بمحبة المسلمين.الشيخ: بالإسلام، ومحبة المسلمين، لكن الإيذاء بالقول والتعريض وما أشبه ذلك، مثلما صنعوا في قصة الإفك، فهم يؤذون المؤمنين بالتَّعريض والتحريش بينهم وما أشبه ذلك.(فقال بعضهم: قوموا بنا) بعض من؟طالب: بعض المؤمنين.الشيخ: بعض الصحابة (قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم مِن هذا المنافق) نطلب منه الغوث، وهو: إزالة الشدة.(من هذا المنافق) إما بزجره، أو بتعزيره، أو بما يناسب المقام، المهم أنهم يطلبون من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يغيثهم من أذيته، فقاموا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقالوا: إنا نستغيث بك يا رسول الله من هذا المنافق، من أين نعرف أنه حصل هكذا؟ من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي» فيكون في الحديث إيجاز حذف؛ يعني: حذف منه كلمات دل عليها السياق.قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي» ظاهر الجملة النفي مطلقًا، أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يستغاث به مطلقًا، ويحتمل أن يكون المراد: لا يستغاث بي في هذه القضية المعينة، فعلى الرأي الأول يكون نفي الاستغاثة به من باب التأدُّب في اللفظ؛ لأن نفي الاستغاثة بالرسول عليه الصلاة والسلام ليس على إطلاقه؛ إذ إن الاستغاثة به فيما يقدر عليه؟طالب: جائزة.الشيخ: جائزة ولَّا لا؟طالب: جائزة.الشيخ: جائز، وعلى هذا فيكون هذا النفي من باب التعدد في الألفاظ، وليس من باب الممنوع معنى؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كغيره يُستغاثُ به فيما يقدر عليه، أما إذا قلنا: إن النفي هذا عائد على القضية المعينة التي استغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم منها فإنه يكون على الحقيقة، أي: على نفي المعنى، أي: لا يستغاث بي في مثل هذه الصورة لماذا؟ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعامل المنافقين معاملة من؟طالب: المسلمين.الشيخ: المسلمين، ولا يمكنه عليه الصلاة والسلام حسب الحكم الظاهر للمنافقين، لا يمكنه أن ينتقم من هذا المنافق انتقامًا ظاهرًا، إذ إن المنافقين يتسترون، فيكون المعنى أن الاستغاثة بالرسول عليه الصلاة والسلام في هذه القضية المعينة بقتل هذا الشخص أو نحو ذلك هذا أمر لا يمكن، ولكن المعنى الأول أظهر في اللفظ، أولًا: لعموم النهي: «لَا يُسْتَغَاثُ بِي»، هذا عام للقضية هذه وغيرها.وثانيًا: قوله: «وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ». وهو أيضًا ظاهر أن المراد العموم، وعليه فيكون من باب التأدب في الألفاظ، على أنه أيضًا لا يستغاث بالنسبة للتخلص من المنافق إلا بمن؟طالب: إلا بالله.الشيخ: إلا بالله؛ لأن الحاكم ما يستطيع أن يحكم بخلاف ظاهر حاله، فحينئذٍ لا يستغاث إلا بالله سبحانه وتعالى من أذية هذا المنافق، والخلاصة الآن أن هذا الحديث يحتمل أن يراد به عموم التبرؤ من الاستغاثة، وعليه فيكون هذا؟طالب: من باب التأدب.الشيخ: من باب التأدب في الألفاظ، وأن الرسول علمهم أن يجعلوا دائمًا اللجوء إلى من؟طلبة: إلى الله.الشيخ: إلى الله عز وجل في كل الأمور، وإما أن يكون لا يستغاث بي في هذه القضية المعينة؛ وذلك لأنه يعامل المنافقين معاملة؟طالب: المسلمين.الشيخ: المسلمين، فلا يستطيع أن يُخَلِّص المسلمين منه بالقتل أو بأمر لا يتظاهر فيه، ولكن الذي يُلجأ إليه في هذا الأمر الخفي، من هو؟طالب: الله.الشيخ: الله عز وجل، والمؤلف ساقة لبيان أنه لا يُستغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه المستغاث به، وإنما يستغاث بالله سبحانه وتعالى وحده.وقوله تعالى عن موسى: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى [القصص: ١٥]، ويش تُحمَل عليه؟طالب: فيما يقدر عليه.الشيخ: على أن هذا فيما يقدر عليه، والغوث إزالة الشدة، وإزالة الشدة ممن يقدر عليه ما ينافي التوحيد.ثم قال المؤلف رحمه الله: (فيه مسائل: الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص).وهذا في الترجمة، عندكم المسائل دول؟طلبة: نعم.الشيخ: هذا في الترجمة، ويش هي الترجمة؟ ترجمة الباب؟طالب: (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره).الشيخ: إي نعم، قوله: (يستغيث) الاستغاثة: نوع من الدعاء، و(يدعو): أعم، فهو من باب عطف العام على الخاص، وهو سائغ في اللغة العربية ولَّا لا؟طالب: نعم.الشيخ: ويش مثل؟طالب: قوله تعالى: (...).الشيخ: لا، هذا عطف الخاص على العام.طالب: العام على الخاص؟الشيخ: إي، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ [الحج: ٧٧]، فإن العبادة أعم من الركوع والسجود، والركوع والسجود داخل فيها ولَّا لا؟طلبة: داخل فيها.الشيخ: داخل فيها، هذا من باب عطف العام على الخاص، وهو جائز في اللغة العربية، وفي القرآن، وفي السنة أيضًا.(الثانية: تفسير قوله: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦]).الخطاب لمن؟طالب: لكل مَنْ يصح خطابه.الشيخ: أو للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الآيات اللي قبلها فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [يونس: ٩٤، ٩٥]، لا ما هي هذه الآية؟ معكم المصحف؟طالب: نعم.الشيخ: فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٤ - ١٠٦] فالخطاب إذن لمن؟طالب: للرسول عليه الصلاة والسلام.الشيخ: للرسول صلى الله عليه وسلم خاصة، فإذا قال قائل: كيف ينهاه الله سبحانه وتعالى عن أمر لا يمكن أن يقع منه شرعًا؟ قلنا: هذا (...) أن ينهى عنه لغرض التنديد بمن فعل ذلك؛ يعني: كأنه يقول: لا تسلك هذه الطريق التي سلكها أهل الضلال، فيكون الغرض من ذلك هو التنديد لمن سلك هذه الطريقة، وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَوإن كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يقع منه هذا شرعًا، وتقدم الكلام على فوائد الآية وشرحها.(الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر) منين يؤخذ؟أخذه المؤلف من قوله: فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَمضافًا إلى قوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، فقال: إن الظالمين المراد بهم؟طالب: الشرك.الشيخ: هذا وجه الدلالة من الآية على أنه شرك أكبر.(الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره، صار من الظالمين) هذا منين يا إخوة؟طالب: من عموم الآية.الشيخ: من عموم الآية، والخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام وهو أصلح الناس، فإذا فعلته إرضاء لغيري، فإنك من الظالمين، حتى لو أردت أن تجامل مثلًا إنسان مشرك بدعاء صاحب القبر، أو الولي، أو ما أشبه ذلك، إرضاء له فإنك تكون مشركًا؛ لأنه لا تجوز المحاباة في دين الله عز وجل.(الخامسة: تفسير الآية التي بعدها)، وهي: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس: ١٠٧]، هذا المراد بالآية التي بعدها.طالب: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ.الشيخ: أو قوله: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ.المهم أن الآيات اللي بعدها: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَتفسيره مناسب للباب، فإذا كان لا يكشف الضر إلا الله، فمن أحق من أن يستغاث به؟طالب: الله.الشيخ: الله عز وجل؛ لأنه لا يكشف الضر إلا هو، فإذا كان لا يكشف الضر إلا هو، وجب أن تكون الاستغاثة بالله عز وجل.(السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرًا) منين نأخذه؟طلبة: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ.الشيخ: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَفلن تنتفع من دعائه هذا بناء على أنه يريد بالآية؛ الآية التي في نفس السورة.(السابعة: تفسير الآية الثالثة) منين؟طالب: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ.الشيخ: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَوأنا عندي يحتمل أن الثالثة هي قوله: وَمَنْ أَضَلُّ، لكن قوله: (الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله) فيه دلالة أن المراد بتفسير الآية الثالثة؟ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَابتغوا الرزق عند من؟طالب: عند الله.الشيخ: عند الله، ووجه انحسار طلب الرزق في الله، تقديم؟طالب: العام على الخاص.الشيخ: تقديم قوله: عِنْدَ اللَّهِ، وقد سبق لنا أن قوله: عِنْدَ اللَّهِحال من الرِّزْقَفعلى هذا يكون رزقه عند الله وحده.(الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تُطلَب إلا منه).طالب: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ.الشيخ: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَلكن الجنة ما تطلب إلا منه، هل في الآية ما يشير إلى هذا؟طالب: إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.الشيخ: ممكن أن يؤخذ من قوله: وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فإن العبادة سبب، والشكر سبب لدخول الجنة، لا سيما وأنه أشار إلى ذلك بقوله: إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.(التاسعة: تفسير الآية الرابعة) وهي قوله؟طالب: وَمَنْ أَضَلُّ.الشيخ: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِوسبق لنا أن معنى الآية: أنه لا أحد أضل من شخص يدعو من دون الله من لا يستجيب له، لو بقي يدعوه إلى يوم القيامة ما استجاب له، وبينا أن قوله: مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِأن هذا القيد؟طالب: بيان للواقع.الشيخ: بيان للواقع فلا مفهوم له.(العاشرة: أنه لا أضل) أي: لا أحد أضل (ممن دعا غير الله) واضح من الآية، وَمَنْ أَضَلُّيعني: هذا الاستفهام بمعنى النفي.(الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه) لقوله؟طالب: وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ.الشيخ: وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥]، هُمْيعود على من؟طالب: المدعوون.طالب آخر: أو الداعون.الشيخ: لا، وَهُمْأي: الداعون، عن دعاء الداعين، عَنْ دُعَائِهِمْ: أي: دعاء الداعين، أو عن دعاء الداعين إياهم، اللي فيها احتمال هو الضمير الثاني، وهو قوله: عَنْ دُعَائِهِمْ، وأما هُمْالأولى فإنها تعود إلى من؟طلبة: المدعوين.الشيخ: إلى المدعوين لا غير، فهذا المدعو غافل، والمراد بالغفلة لازمها وهو عدم الاستجابة.(الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له).طالب: لأن تلك الدعوة عبادة.الشيخ: لا، لأن تلك الدعوة سبب، لبغض المدعو للداعي وعداوته له، تؤخذ من قوله؟طالب: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ.الشيخ: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٦].طالب: (...).الشيخ: أيش تقول عليها؟طالب: اللي بعده، السورة اللي بعده.الشيخ: (الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو) منين تؤخذ؟طالب: وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ.الشيخ: وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ [الأحقاف: ٦] فسمى الله الدعاء عبادة، فالدعاء عبادة، فدعاؤهم لهؤلاء هو عبادة لهم في الواقع؛ ولهذا قال: وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ.(الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة) ويش معنى كفره بها؟ أنه إذا كان يوم القيامة تبرَّأ منها وأنكرها، فالكفر بالشيء معناه رده وإنكاره فهؤلاء يوم القيامة يتبرؤون من دعوة الداعين لهم، ويكفرون بهم.(الخامسة عشرة: أن هذه الأمور هي سبب كونه أضل الناس) أيش هي الأمور؟طالب: يدعون غير الله.الشيخ: يدعو من دون الله من لا يستجيب له، الثاني: أنه غافل عن دعائهم، الثالث: أنه إذا حُشِر الناس كان له عدوًّا، الرابع: أنه يكفر بعبادته.وبهذه الأمور الأربعة صار من يدعو غير الله أضل الناس؛ لأن حقيقة الأمر الآن ما انتفع من هذا الدعاء بأي شيء، بل إنه ما ازداد به إلا عداوة من المدعو، وكفرًا به، وتبرأ منه.(السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة) وهي قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل: ٦٢]، والمضطر واقع في الشدة، فمن الذي يستغيث؟ يستغيث الله؛ لأنه لا يجيبه إلا الله عز وجل، وقد سبق لنا في تفسير الآية أنه كم من أحوال كثيرة يقع الإنسان فيها في شدة وليس عنده من ينقذه فيُيَسِّر الله له أسبابًا ينقذه بها، من الأمم السابقة، وفي هذه الأمة، فإن موسى وقومه لما وصلوا إلى البحر وكان خلفهم فرعون وقومه، هذه شدة عظيمة؛ لأنهم إن عبروا البحر غرقوا، وإن لم يعبروا صاروا فريسة لفرعون وقومه؛ ولهذا قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦١، ٦٢]، فأنقذه الله من هذه الشدة.(السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان بأنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين).وهذا كما قال المؤلف: أمر عجيب، يعرفون أنه ما يجيب المضطر إلا الله، ومع ذلك يدعون غير الله، ويركعون له، ويسجدون له، والعياذ بالله، وإلى الآن موجود في الأمم مَنْ يسجد للأصنام المنحوتة التي نحتوها هم بأنفسهم، يقفون أمامها خاشعين وتنهمر دموعهم من البكاء، ويسجدون على الأرض تعظيمًا لها، هذا شيء موجود إلى الآن، والعياذ بالله، ففي الحقيقة هذا من الغرائب؛ أن هؤلاء المشركين يشركون بالله، وإذا وقعوا في الشدة دعوا الله مخلصين له الدين، وكان عليهم -لو كانت أصنامهم حقًّا- أن يتجهوا إلى الأصنام، إلا أن من المشركين اليوم من هم أشد من المشركين السابقين، إذا وقعوا في الشدة دَعَوْا أولياءهم؛ إذا كان الأمر بسيطًا دعوا الله، يعني: يدعون مثلًا علي بن أبي طالب يقولون: يا علي، إذا وقعوا في شدة لا أعظم منها. وإذا كانوا يريدون شيئًا كماليًّا دعوا الله عز وجل. إذا أرادوا أن يحلفوا حَلِفًا لا يكذبون فيه، حلفوا بعلي بن أبي طالب وغيره من أوليائهم، وإذا أرادوا أن يحلفوا حلفًا يكذبون به؟طلبة: حلفوا بالله.الشيخ: حلفوا بالله، هؤلاء أشد والعياذ بالله شركًا من شرك الأوليين.(الثامنة عشرة: حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد والتأدب مع الله).المؤلف إذن يختار أن قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ» من باب التأدب بالألفاظ، والبعد عن التعلق بغير الله، وأن يكون تعلق الإنسان دائمًا بالله عز وجل، فهو يُعَلِّم الأمة أنهم إذا وقعوا في الشدائد لا يلجؤون إلا إلى الله عز وجل، ولا ينطقون بلفظ الاستغاثة إلا بالله سبحانه وتعالى.طالب: النبي عليه الصلاة والسلام في هذه القصة (...) يعلم حال المنافق (...).الشيخ: نعم، يعرفهم، وقد أخبر حذيفة بأسماء أناس معينين.طالب: يعني: لماذا (...)؟الشيخ: إي نعم، يمكن نستنبطها، ممكن نقول، بس إنما المشكلة الآن أن الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن العلة، قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» فخشي أن يكون في ذلك تنفير عن الإسلام؛ لأنه إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ما دخل الناس في الدين، فإذا كانت هذه المسألة ستوجد في الوقت الحاضر، يعامل هذا معاملتهم، يعاملوا معاملتهم، ثم إن المنافقين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ما يظهرون النفاق، يتسترون به، لكن مَنْ أظهر نفاقه وعَلِمنا، يظهره بين، هذا ما يمكن أن نعامله معاملة المسلم.طالب: هم أظهروا.الشيخ: ما أظهروه.طالب: (...).الشيخ: لأنهم لما رأوا أذيَّته حكموا عليه بالنفاق من علاماته.طالب: الاستغاثة والاستعانة (...) أو الواسطة بين النبي؛ يعني: معناها واحد ولا بينها فرق (...)؟الشيخ: لا، بينهم فرق؛ الاستعاذة معناها الاعتصام بالمستعاذ به، وإن كنت لا أريد أن يعصمني من هذا الشيء المعين، والاستغاثة: اعتصام به من شيء معين، والاستعانة: طلب العون، وإن لم يكن الإنسان في شدة، بل حتى في الأمور الكمالية التي لست بضرورة إلى زوالها، أو لست في ضرورة إلى تحصيلها تستعين به، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَتُعينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ» .طالب: الواسطة.الشيخ: نعم؟طالب: الإنسان الواسطة؟الشيخ: الواسطة ويش لون؟طالب: اللي هي واسطة (...).الشيخ: هذه الواسطة، ليس بين الله وبين عباده وسائط، في مسألة الدعاء، لكن في مسألة الشرع نعم، بينه وبين الخلق واسطة وهم؟ الرسل. أما في مسألة الدعاء ما يمكن أن يكون بيننا وبين الله واسطة؛ ولهذا ما يجوز أني أقول مثلًا للرسول صلى الله عليه وسلم الآن: كن واسطة بيني وبين ربك في كذا وكذا، وأما إذا كان الإنسان حيًّا وهو ممن يُرجَى إجابة دعوته، فلا بأس أن أطلب منه أن يدعو الله لي، كما قال عمر رضي الله عنه للعباس بن عبد المطلب: قم فادعوا الله لي ولابني، وكما كان الصحابة يأتون الرسول عليه الصلاة والسلام يقولون: ادعوا الله لنا.طالب: قول الرسول (...).الشيخ: آية المنافق.طالب: (...).الشيخ: تكلمنا عليه البارحة في الدرس، وقلنا: إن العلامة معناها: أن مَنْ تخلَّق بهذه الأخلاق فقد تخلَّق بأخلاق المنافق خالصًا، فمعنى مَنْ تخلق بالحسد ففيه من أخلاق اليهود، فهذا معناه أن هذه آية المنافق، وليست هي النفاق، فعلامة الشيء ليست هي الشيء، لكن معناها أن هذه الخصال مما يمارسه المنافقون، فإذا اجتمعت الأربع صار الإنسان ممارسًا لجميع أخلاق المنافقين.طالب: يعني: هذا غير ظاهر.الشيخ: لا، ظاهر، لكن النفاق..

باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره
00:00:03

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١]، اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْوالرب الثاني؟
طالب: ما فيه.
الشيخ: ما فيه رب ثانٍ، يكون هذا القيد لبيان الواقع، أنه هو الذي خلقنا، وهو الذي خَلَقَ مَن قبلَنا.
كذلك قوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء: ٢٣]، اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْهذا لبيان الواقع الأغلب.
كذلك يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤]، إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، هل دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام لأمته ينقسم إلى قسمين: دعاء لما يحيي، ودعاء لما لا يحيي؟
طالب: لا.
الشيخ: أو كله حياة؟
طالب: كله حياة.
الشيخ: كله حياة، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢]، ولكن هذا لبيان؟
طالب: الواقع.
الشيخ: الواقع، إذا عرفت ذلك، فاعلم أن كل قيد يراد به بيان الواقع فإنه كالتعليل للحكم؛ فمثلًا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة: ٢١]، يا أيها الناس اعبدوا ربكم لأنه خلقكم، وخلق الذين من قبلكم، ولا تدعُ من دون الله أحدًا؛ لأنه لا ينفعك ولا يضرك.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ؛ لأنه لا يدعوكم إلا لما يحييكم، فهذه فائدة أيضًا فيما إذا كان القيد يراد به بيان؟
طالب: الواقع.
الشيخ: الواقع، أن هذا القيد يكون؟
طالب: كالتعليل.
الشيخ: كالتعليل للحكم، يكون كالتعليل للحكم، كأنه يقال: هذا الحكم كذا لكذا وكذا، فهنا: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ [يونس: ١٠٦] لماذا؟ لأنه لا ينفعك؟ ولا يضرك، فعلى هذا لا يكون هذا القيد شرطيًّا بحيث يكون له مفهوم؛ لأنك لك أن تدعو من ينفعك ويضرك؛ لأن هذا أمر ليس بموجود.
قال: فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦] الله أكبر، الله يقول للرسول: إن فعلت، فيم فعلت؟
طالب: دعوت من دون الله.
الشيخ: دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، فَإِنَّكَ إِذًاأي: حالَ فعلِك مِنَ الظَّالِمِينَ، شوف الآيات، سبحان الله العظيم! فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ(إِنْ) أظن الشرطية، ولَّا نافية؟
طالب: شرطية.
الشيخ: وجواب الشرط؟
طالب: فَإِنَّكَ.
الشيخ: فَإِنَّكَالجملة، وقوله: إِذًاهذا قيد؛ لأن إِذًاللظرف، أيُّ ظرف؟
طالب: إذن تكون للظَّرف.
الشيخ: إي، لكن ماضٍ، ولَّا حاضر، ولَّا مستقبل؟
طالب: مستقبل.
طالب آخر: حاضر.
الشيخ: حاضر؛ يعني: فإنكَّ حين فعله من الظالمين، ولكن قد تتوب منه فيزول عنك وصفُ الظلم، فالإنسان قبلَ فعلِ المعصية ليس بظالم، وبعد فعل المعصية إذا تاب عنها، يزول عنه وصف الظلم، لكنه حين فعل المعصية؟
طالب: يكون ظالمًا.
الشيخ: يكون ظالمًا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فقيَّد ذلك بانتفاء الإيمان عنه، متى؟ حال الفعل، فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ، ما نوع هذا الظلم؟
طالب: الشرك.
الشيخ: الشرك، هذا ظلم شرك، قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، ولم يقل الله تعالى: إنك من المشركين، عدل عن التعبير بقوله: (إنك إذًا من المشركين) إلى قوله: مِنَ الظَّالِمِينَ؛ لأجل أن يُبيِّن أن الشرك ظلم، كيف ذلك؟ لأن كون الداعي لغير الله مشركًا أمر بيِّن؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: لكن كونه ظالمًا، قد لا يكون أمرًا بيِّنًا من الآية، فلو قال: (فإنك إذًا من المشركين)، صار المعنى أن الله أخبر بأن الذي يدعو من دون الله مشرك، وهذا المفهوم من الحكم من الأول، لكن إذا قال: مِنَ الظَّالِمِينَمعناه أنه سجَّل على هذا الشرك بأنه ظلم، ثم قال تعالى:
طالب: شرك أعظم؛ لأن الظلم قد يكون بما هو من دون الشرك؟
الشيخ: إي، لكن إذا ذكر بمقامِ الشرك فهو شرك، فيبين أنه ظلم، كما قال الله تعالى: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣].
طالب: وصفه بالعظم.
الشيخ: بأنه عظيم نعم، ما دام السياق في الشرك فهو ظلم الشرك، اللي هو الظلم العظيم.
طالب: لو قلنا على حسب حال الداعي، قد يكون شركًا أصغر، قد يكون شركًا أكبر.
الشيخ: ما فيه تفصيل، الدعاء شرك أكبر.
(قال: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [الأنعام: ١٧]).
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ، يَمْسَسْكَبمعنى: يصبك بضُرٍّ؛ كالمرض، والفقر، ونحو ذلك.
فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ، لَانافية للجنس، واسمها؟
طالب: كَاشِفَ.
الشيخ: كَاشِفَ، وخبرها: لَهُ، وإِلَّا هُوَبدل، وإذا قلنا بجواز أن يكون خبرها معرفة صار خبرها هُوَ؛ يعني: ما أحد يكشفه أبدًا إذا مسك الله بضر إلا الله، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ» .
(وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس: ١٠٧]).
وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍوهنا قال: يُرِدْكَ، وفي الضرر قال: يَمْسَسْكَفهل هذا من باب التفنن في العبارة كما يقولون: إن من فصاحة الكلام أنه ما يُرَدِّد الألفاظ التي بمعنى واحد، أو نقول: إن هناك فرقًا معنويًّا؟
طالب: هناك فرق معنوي.
الشيخ: ما هو؟ ما الفرق المعنوي؟
طالب: أن إمساس الشيء هو إرادة الخير (...)، وأن الشر (...) غير مراده.
الشيخ: إي، أنت أحسنت، ولكن ما وقعت.
طالب: (...).
طالب آخر: لأن كون الإمساس الإرادة بالخير (...)، كأنه يعني أبلغ من الإمساس؛ لأن الله أرحم من أن يجعل الشر يلتزم بالإنسان، أما الخير فهو.. هذا الفرق بين العبارتين.
الشيخ: (...) خبر المبتدأ.
طالب: الفرق بين العبارتين كما قلت.
الشيخ: ما قلت؟
طالب: الضرر يُطلَب رفعُه بعد أن ينزل، والآية في سياق (...) أن الله ينفع العبد، فالضر يُرفَع بعد أن (...) الضر؛ أما الخير فيطلب مجيئه، فإذا جاء لا أحد يستطيع منعه (...) يراد بالعبد (...) الضرر، وأما الخير.
الشيخ: لا، أنا قصدي لماذا عبر عن الضر بالمس، وعن الخير بالإرادة؟
طالب: هو عبر بالمس (...).
الشيخ: إحنا ما مر علينا أن الأشياء المكروهة لا تُنسب إلى إرادة الله؟ تنسب إلى فعله، لا إلى إرادته؛ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠] فالمس من فعل الله، والضر الذي يمس الإنسان من مفعولاته، الضر من مفعولاته، فلا يريد سبحانه وتعالى الضرر، هو لا يريد الضرر، بمعنى أنه إذا أصاب الإنسان بضر، لا يريد الضرر، لكن يريد ما وراء ذلك من الحكم البالغة؛ «إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَو أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى» .
أما الخير، فهو مراد لله ومفعول له، فهمتم الفرق الآن؟ اتضح ولَّا أنا أزيده إيضاحًا إن شاء الله؟
أقول: إن الضرر لا يكون مرادًا لله، بمعنى أن الله لم يُرِد أن يُضِرَّ عباده، ولو حصل من تقديره ضرر، لماذا؟ لأن هذا الضرر الذي حصل، ويش يراد به؟
طالب: ما وراءه.
الشيخ: يراد ما وراءه من الحكم البالغة التي هي خير، ومحل ثناء على الله عز وجل، أما الخير فهو مراد لذاته؛ ولهذا قال: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍأما الضرر فلا يراد لذاته بالنسبة لله عز وجل ولهذا لم يعبر عنه بالإرادة، والذي يقرب هذا الذي في سورة الجن: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠] فمثلًا إذا أصيب الإنسان بمرض، فهل أراد الله بهذا المريض الضرر، ولّا لا؟ لا ما أراد الضرر.
هو أراد المرض صحيح وهو يضره، لكنه لم يرد ضرره، بل أراد خيرًا وراء ذلك المرض ينتج عنه، وحكمة بالغة، قد تكون الحكمة ظاهرة في نفس المصاب، وقد تكون الحكمة ظاهرة في غيره أيضًا وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٢٥].
فالمهم أن ما لنا أن نتحجر حكمة الله؛ لأنها أوسع من عقولنا، لكننا نعلم علم اليقين أن الله تعالى لا يريد الضرر؛ لأنه ضرر، فالضرر عند الله ليس مرادًا لذاته، بل مراد لغيره، ولا يترتب عليه إلا الخير، أما الخير فهو مراد لذاته، والله أعلم بما أراد في كلامه، لكن هذا الذي يتبين لي.
قال: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس: ١٠٧]، ما أحد يستطيع أن يرد فضل الله أبدًا، ولو تجتمع الأمة كلها على أن يَرُدُّوا فضل الله ما استطاعوا أن يردوه أبدًا، هذا شيء مستحيل، «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ» ، ففضلُ الله عز وجل لا أحد يستطيع أن يُرَدَّه، وإذا آمنا بهذا الإيمان، فمعنى ذلك أننا نعتمد على من؟
طالب: على الله.
الشيخ: على الله وحده، نعتمد على الله وحده في الدعاء؛ في جلب المنافع، ودفع المضار، وأن نعتمد عليه في بقاء ما أنعم علينا به، وأن نعلم أن الأمة مهما بلغت من الكيد والمكر والحيل لتمنع فضل الله، فإنها لا تستطيع أن تمنعه؛ ولهذا قال: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس: ١٠٧]، يُصِيبُ بِهِأي بأيش؟
طالب: بالخير.
الشيخ: بالخير الذي أراد، أو بفضله. وهما متلازمان؛ فالضمير إما أن يعود على الفضل، أو يعود على الخير؛ يعود على الخير لأنه هو المتحدث عنه، ويعود على الفضل لأنه أقرب، يُصِيبُ بِهِأي: بالخير بعد أن يريده، يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُأو بالفضل، مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.
وقوله: مَنْ يَشَاءُلا يغيب عن بالكم ما قررناه كثيرًا في أن كل فعل يُقَيَّد بالمشيئة فهو؟ مقيد لحكمة أيضًا؛ لأن مشيئة الله سبحانه وتعالى ليست مشيئة مجردة يفعل ما يشاء لمجرد أنه يفعله فقط، ولكنه لحكمة، كلما شفت في القرآن شيئًا مقيدًا بمشيئة فاعلم أنه مقرون بالحكمة؛ لأن من صفات الله سبحانه وتعالى أنه الحكيم، من أسمائه الحكيم، فهو ذو الحكمة البالغة.
يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِقوله: مِنْ عِبَادِهِالعبودية هنا العامة، ولّا الخاصة؟
طالب: الخاصة.
طالب آخر: العامة.
الشيخ: العامة فيما يظهر؛ لأن قوله: بِخَيْرٍيشمل خير الدنيا والآخرة، وخير الدنيا يأتي للكفار، خير الدنيا يصيب الكفار؛ كالرزق، والصحة، وغير ذلك.
وقوله: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الْغَفُورُمعناه: ذو المغفرة، والمغفرة: هي سِتر الذنب والتجاوز عنه، والرَّحِيمُمعناه: ذو الرحمة، وهي صفة تليق بالله سبحانه وتعالى تقتضي الإحسان والإنعام.
الشاهد من هذه الآية قوله: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ [يونس: ١٠٦]، فقد نهى الله نبيه عن أن يدعو من دون الله من سواه؛ لأنه لا ينفع ولا يضر.
طالب: هذا الصحيح.
الشيخ: ثم قال: (وقوله: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت: ١٧]).
الحقيقة أنني أتمنى لو أن المؤلف رحمه الله أتى بأول الآية إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ.
طالب: عندي موجودة من الأول.
الشيخ: اقرأ.
طالب: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
الشيخ: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا} أجل عندي ما هي موجودة، على كل حال وجودها أولى، النُّسَخ اللي فيها موجودة أحسن.
طلبة: (...).
الشيخ: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًاهم ماذا يعبدون؟ يعبدون الأوثان من شجر، وحجر، وغيرها، هل هذه تملك لهم رزقًا؟ أبدًا، لو يدعونها إلى يوم القيامة ما جابت لهم ولا حبة عنب، ولا حبة بر، ولا دفعت عنهم أدنى مرض، ولا أغنتهم من أدنى فقر، فإذن هي لا تملك الرزق، إذا كانت هذه الأصنام التي تُعبَد من دون الله لا تملك الرزق، فمن الذي يملكه؟
طالب: الله.
الشيخ: الله عز وجل؛ ولهذا قال: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ، (ابتغوا): اطلبوا عند الله الرزق؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الذي لا ينفد ما عنده مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل: ٩٦]، فأنت إذا أردت أن تطلب رزقًا فاطلبه من الله، أما هذه الأوثان فإنها لا تنفعك، ولكن الرزق عند الله عز وجل؛ ولهذا قال: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ، شوف عِنْدَ اللَّهِقدَّم الحال؛ لأن عند الله حال من الرزق، كأنه قال: فابتغوا الرزق حال كونه عند الله لا عند غيره، والحال موضعها التأخير عن صاحبها، وهنا قدمت على صاحبها، وتقديم ما حقه التأخير يفيد؟
طالب: الحصر.
الشيخ: الحصر؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: تقولونها عن اقتناع؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ولا بس كالببغاء؟ نقول الآن: عِنْدَ اللَّهِمحلها النصب على أنها؟
طالب: حال.
الشيخ: حال من الرزق، وموضع الحال؟
طالب: متأخر.
الشيخ: متأخر عن صاحب الحال. وهنا قدم على الحال، وتقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر، كأنه يقول: ابتغوا الرزق عند الله، لا عند غيره.
وَاعْبُدُوهُحينما أمرنا سبحانه وتعالى أن نطلب الرزق عنده قال: وَاعْبُدُوهُأي: تذللوا له بالطاعة؛ لأن العبادة مأخوذة من التعبيد، وهو التذليل، ومنه قولهم: طريق مُعَبَّد، أيش معنى معبد الطريق؟
طالب: مذلل.
الشيخ: مذلل للسالكين، قد أزيل عنه الأحجار والأشجار المؤذية وغير ذلك، أي تذلَّلوا له بالطاعة؛ لأنكم إذا تذللتم له بالطاعة، فهو من أسباب الرزق؛ قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣]. فأَمَر بأن نطلب الرزق عنده، ثم أعقبه بقوله: وَاعْبُدُوهُإشارة إلى أن تحقيق العبادة من طلب الرزق؛ لأن العابد ما دام أنه يؤمن بأن مَن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، عبادته تتضمن الطلب بلسان الحال، لأيش؟ للرزق.
وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت: ١٧]، وَاشْكُرُوا لَهُإذا أضاف الله الشكر له، فإنه يتعدَّى باللام، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: كذا؟ هل تذكرون آية من القرآن صار الشكر فيها شكر الله مُعَدًّى بدون اللام؟
طالب: (...).
الشيخ: هذه ما هي بشكر.
طالب: فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ [لقمان: ١٢]، أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ.
الشيخ: هاه؟
طالب: وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ.
الشيخ: اشْكُرْ لِلَّهِما هي بأن اشكر الله.
طالب: وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة: ١٥٢].
الشيخ: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي، لا تكن مثل الأعرابي؛ لأنه ما لقى آية (...) أنا لا أفضحه، ولكن (...).
طالب: وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ.
الشيخ: إي.
طالب: (...) يشكر لله.
الشيخ: لله، إي لله، إنما الحكمة من كون الشكر لا يتعدى لمن سوى الله، هو إشارة إلى الإخلاص، اشكروا نعمة الله لله، فشكر النعمة هو أن يكون الإنسان مخلصًا بذلك الشكر لله عز وجل، فاللام هنا لإفادة الإخلاص؛ أن يكون شكرك لله عز وجل على نعمته خالصًا له؛ لأن الشاكر قد يشكر لا لله، ولكن لتبقى النعمة، وهذا لا شك إنه لله، لا بأس به، لكن كونه يشكر لله ويأتي بقاء النعمة هذا هو المطلوب، أن يكون شكرك النعمة لمن؟
طالب: لله.
الشيخ: لله، الذي أسداها إليك، وأعطاك إياها.
والشكر فسَّرُوه بأنه: طاعة المنعم، هذا الشكر. وقالوا: إنه يكون في ثلاثة مواضع: يكون بالقلب، واللسان، والجوارح.
أما القلب: فأن يعترف الإنسان بقلبه بأن هذه النعمة منين؟
طالب: من الله.
الشيخ: من الله، فيرى لله فضلًا عليه بها، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣]، وأهم شيء ما أنعم الله عليك من نعمة الإسلام، فإنها أعظم نعمة يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ [الحجرات: ١٧].
أما اللسان: فهو التحدث بها على وجه الثناء على الله، لا على وجه الفخر والخيلاء والترفع على عباد الله، تحدث بنعمة الله عليك بالغنى، ما هو لأجل تكسر خاطر الفقير، أو لأجل أن تعلو على بني جنسك، لا، ويش لأجله؟ لأجل الثناء على الله بها، تقول: أعطاني الله تعالى كذا، وأعطاني كذا، وأعطاني كذا، مثل قصة الأعمى، وهو الرجل الثالث من الثلاثة من بني إسرائيل، لما ذَكَّره الملك بنعمة الله، قال له: نعم، قد كنت أعمى فردَّ الله عليَّ بصري، وكنت فقيرًا فأعطاني الله المال ، هذا من باب أيش؟ التحدث بنعمة الله، والنبي عليه الصلاة والسلام تحدث بنعمة الله عليه، بالسيادة المطلقة، فقال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وعلى هذا يكون التحدث بنعمة الله؟
طالب: على وجه الثناء عليه.
الشيخ: على وجه الثناء عليه بها والاعتراف، وعدم الجحود.
أما الثالث: قلنا: الثالث ما هو؟
طلبة: الجوارح.
الشيخ: الجوارح، بأن تستعمل هذه الجوارح في طاعة المنعم، وعلى حسب ما يختص بهذه النعمة.
فمثلًا: نعمة العلم شكرك الله عليها: أن تعمل بعلمك، وتعلِّمه الناس؛ أن تعمل به، وتعلِّمه الناس، شكرك الله على المال، أيش؟
طالب: أن تصرفه في طاعة الله.
الشيخ: أن تصرفه في طاعة الله، وتنفع الناس منه؛ يعني: معنى أن الشكر في كل نعمة بما يخصها.
شكر الله من على القوة، والشجاعة، أيش؟
طالب: أن تدافع عنه.
الشيخ: أن تجاهد.
طالب: في سبيل الله.
الشيخ: في سبيل الله، فلكل نعمة شكر يخصها؛ لأن نعمة أخص، ولا جميع الطاعات تدخل في شكر النعمة، شكر نعمة الله عليك بالطعام مثلًا: أن تستعمله فيما أنعم الله به عليك من أجله، في تغذية البدن، أما أنت تبغي تبني مثلًا من العجين قصر، يصلح؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، هذه ما خلقت لهذا الشيء.
فالمهم أن الإنسان يستعمل الشكر في كل موضع بما يناسبه، هذا بالنسبة لأعمال الجوارح.
وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَإِلَيْهِجار والمجرور، متعلق بأيش؟
طالب: بالسبب.
الشيخ: تُرْجَعُونَ، وتقديمه يدل على؟ الحصر؛ يعني أن رجوعنا إلى الله عز وجل، وهو الذي سيحاسبنا على ما حملنا إياه من الأمر بالعبادة، والأمر بالشكر، وطلب الرزق منه.
الشاهد من هذه الآية قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ، الفقير إذا أراد أن يستغيث بمن ينجيه من هذا الفقر، بمن يستغيث؟
طالب: بالله.
الشيخ: بالله عز وجل، هو الذي (...)، وفي الآية هنا إشكال مع قوله تعالى: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء: ٨]، وهو يقول هنا سبحانه وتعالى: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ(...).
الاستغاثة هي طلب الغوث، وأنها تكون بالله، وتكون بغير الله.
أما الاستغاثة بالله: فهي من أقسام التوحيد والعبادة، والاستغاثة بغيره: تنقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون فيما يقدر عليه المستغاث به فهذه جائزة، والثانية: فيما لا يقدر عليه المستغاث به فهذه؟
طالب: غير جائزة.
الشيخ: غير جائزة، وهي نوع من الشرك، وقد تصل إلى حد الشرك الأكبر، وبينا فيما سبق دليل الجائز من هذا القسم، وتقدم الكلام على بعض الآيات التي ساقها المؤلف وهي قوله تعالى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ [يونس: ١٠٦]، وبينَّا أن هذا القيد مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ؟
طالب: لبيان الواقع.
الشيخ: لبيان الواقع، وأنه ليس له مفهوم، وهو كقوله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [المؤمنون: ١١٧]، فليس المعنى أن هناك إلهًا آخر يدعى وله برهان، وبينا أن الفائدة من ذكر مثل هذه الصفة التي يسميها بعض الناس صفة كاشفة أن الفائدة من ذلك هو؟ أنها كالتعليل بالحكم المقرونة به، وبينا أنه إذا كان هذا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه يوصف بالظلم إذا فعل ذلك فغيره من باب أولى، وبينَّا أيضًا أن المعلق لا يستلزم وقوع المعلق عليه، وهو قوله: فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦]، فليس معنى ذلك أنه من الأمر الممكن، فقد يُعلَّق الشيء على أمر؟
طالب: غير مستحيل.
الشيخ: غير مستحيل غاية الاستحالة، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١]، وكل هذا أمر لا يمكن، وبينا فيما سبق وجه استدلال المؤلف بهذه الآية في قوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [الأنعام: ١٧]، وأنه إذا كان لا يكشف الضر إلا الله سبحانه وتعالى فإنه ليس من الحكمة ولا من العقل أن يتوجه الإنسان إلى غير الله.
وبينَّا أيضًا معنى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ، وأنها تدل على أنه إذا كانوا لا يملكون لنا الرزق فكيف نستغيث بهم.
ثم قال المؤلف: (وقوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف: ٥]).
مَنْاسم استفهام وهو مبتدأ، وأَضَلُّخبر المبتدأ، ومعلوم أن الاستفهام هنا يراد به النفي، أي: لا أحد أضل، وأضل اسم تفضيل، لا أحد أضل من هذا، والضلال: هو أن يتيه الإنسان عن الطريق الصحيح، هذا الضلال.
(وقوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو) مر علينا أنه إذا صيغ الاستفهام يراد به النفي أنه أبلغ من النفي المجرد، لماذا؟
طالب: لأنه يجعله غير استفهام.
الشيخ: لأنه يحوله من نفي إلى تحدٍ، فـ(من أضل) يعني يتحدى؛ يعني: دوَّر لي على أحد أضل ممن يدعو من دون الله.
فالاستفهام الذي بمعنى النفي متضمن لأي شيء؟ للتحدي، وهو أبلغ من قوله: لا أضل ممن يدعو، أبلغ؛ لأن هذا نفي مجرد، وذاك نفي مُشرَب، أو متضمن لأيش؟
طالب: للتحدي.
الشيخ: للتحدي؛ يعني: إن كنت صادقًا فأرني، مِمَّنْ يَدْعُومتعلق بـ(أضل). مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ يَدْعُوهنا يراد بها دعاء العبادة، ودعاء المسألة، يشمل الأمرين: دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
وقوله: مِنْ دُونِ اللَّهِأي: سواه، وقوله: مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ مَنْويش إعرابها؟
طالب: اسم موصول بمعنى الذي.
الشيخ: (مَنْ) بمعنى الذي، لكن محلها من الإعراب؟
طالب: مفعول.
الشيخ: مفعول.
طالب: يَدْعُو.
الشيخ: مفعول يَدْعُو.
يَدْعُو مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِيعني: إلى يوم القيامة ما يستجيب، لو يبقى كل عمر الدنيا يدعو هذا ما استجاب له، قال الله تعالى في آية أخرى: إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: ١٤]، من هو عنه الخبر هذا؟
طالب: الله عز وجل.
الشيخ: وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٤] يعني نفسه سبحانه وتعالى. الآن مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥].
قوله: مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْأتى بـ(من) وهي للعاقل مع أنهم يعبدون الأصنام، والأشجار، والأحجار، والأموات، وهي عاقلة ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليست عاقلة، لكنهم لما عبدوها نزلوها منزلته، فخوطبوا بمقتضى ما يدعون؛ لأنه أبلغ في إقامة الحجة عليهم، إذ لو قيل: ما لا يستجيب له، لقالوا: نعم لنا عذر، مما يستجيبون لنا؛ لأنهم غير عقلاء، لكن إذا قيل: من، هذا فيه حجة عليهم، فالحكمة عن العدول عن التعبير بما إلى التعبير بمن؛ إقامة الحجة عليهم في أنهم يدعون من يرونهم عقلاء، ومع ذلك لا يستجيبون لهم، فهذا من بلاغة القرآن، أنه تَنَزَّل معهم في مخاطبتهم ليقيم الحجة عليهم؛ لأنه لو أتت (ما) لقالوا: نعم والله، هذا ما يستجيب لنا؛ لأنه ما يعقل، لكن إذا جاءت (من)، وهم الذين نزلوا هذه الأصنام منزلة أيش؟
طالب: العاقل.
الشيخ: العاقل، ومع ذلك ما تستطيع تُجيبُهم، لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ هُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، الضمير في قوله: هُمْيعود على (من) باعتبار المعنى، وضمير يَسْتَجِيبُيعود على (من) باعتبار اللفظ، أفهمتم؟ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُواحد ولَّا جماعة؟
طالب: باللفظ واحد.
الشيخ: يستجيب، واحد، وَهُمْ؟
طالب: جماعة.
الشيخ: جماعة، ومرجع الضمير في يَسْتَجِيبُكمرجع الضمير في وَهُمْ؟ إلى من؟ أليس كذلك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا أفرد الضمير مرة، وجمعه أخرى؟ الجواب: أفرده باعتبار اللفظ؛ لأن لفظ مَنْمفرد، وجمعه؟
طالب: بالمعنى.
الشيخ: باعتبار المعنى؛ لأن مَنْتعود على الأصنام وهي جماعة، وقد مر علينا كثيرًا أن (من) يجوز مراعاة لفظها، ويجوز مراعاة معناها، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما مرت، وقلنا: إنه قد يُراعى لفظُها ومعناها في كلام واحد وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ [الطلاق: ١١] شوف؛ راعى اللفظ، ثم المعنى، ثم اللفظ.
وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْالضمير في دُعَائِهِمْيعود على من؟
طالب: على الداعين.
طالب آخر: العابدين للأصنام.
الشيخ: من الأصنام؟
طالب: (...).
الشيخ: هل المعنى: وهم عن دعاء العابدين غافلون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أو المعنى: وهم عن دعائهم؟
طالب: (...) غافلين؛ أي: دعاء العابدين لأنفسهم..
الشيخ: غافلين.
طالب: أي: دعاء العابدين لأنفسهم.
طلبة: (...).
الشيخ: تأملوا فيها مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَهل المعنى عن دعاء الغافلين إيَّاهم؟ فيكون على هذا من باب إضافة المصدر إلى مفعوله؛ يعني: عن دعاء العابدين إياهم، وَهُمْأي: الأصنام، عَنْ دُعَائِهِمْأي: دعاء الداعين إياهم، فيكون من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، أو المعنى: وهم عن دعاء العابدين لهم، ويكون مفعول دعاء محذوف، ويكون دعاء هنا مضافًا إلى فاعله.
طالب: كلا المعنين.
الشيخ: إي صحيح، هو جائز، كلا المعنيين، يجوز هذا وهذا، لكن أيهما أبلغ؟ أن يقول: عن دعائهم يعني إذا دُعوا هم غافلون؟
طالب: (...).
الشيخ: هذا في الحقيقة أبلغ؛ يعني: عن دعاء العابدين إياهم أبلغ، عن دعاء العابدين على سبيل الإطلاق؛ لأن عن دعائهم، عن دعائهم مَن؟ لازم تُقدِّر المدعو محذوفًا، فإذا قلت: عن دعائهم، أي: عن دعاء العابدين إياهم، وجعلت الضمير هنا يعود على المدعو صار المعنى أن هذه الأصنام غافلة عن دعوة هؤلاء إياهم، فيكون هذا أبلغ في أن هذه الأصنام لا تفيدهم شيئًا هُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، هذا في الدنيا، غافلون ما يمكن أن يستجيبوا لهم، فإن كانوا من الكفار المغلو فيهم، فهم والعياذ بالله غافلون في العذاب، وإلَّا فهم غافلون في نعيم، إذا حُشِر الناس قال الله تعالى: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُمتى؟
طلبة: يوم القيامة.
الشيخ: يوم القيامة كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً [الأحقاف: ٦] هذه أيضًا علام يعود الضمير؟
طالب: على العابدين.
الشيخ: كان العابدون للمعبودين أعداء، أو كان المعبودون للعابدين أعداء؟
طلبة: كلاهما.
الشيخ: هذا من بلاغة القرآن، سبحان الله العظيم! (...) في عبادة هؤلاء لهم، فينكرون، حتى الملائكة يقولون: سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا [الفرقان: ١٨] الشاهد من هذه الآية قوله؟ الشاهد استرجعوا؟
طالب: مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ.
الشيخ: نعم، مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِإذا كان من سوى الله لا يستجيب لك إلى يوم القيامة، فكيف يليق بك أن تستغيث به دون الله؟! فبطل بذلك تعلُّق هؤلاء العابدين بمعبوداتهم، فالذي يأتي إلى البدوي في مصر ويقول: وا سيدي البدوي، وا سيدي الدسوقي، أغثني، المدد المدد، وما أشبه ذلك، هل يغني ذلك عنهم شيئًا؟
طالب: لا يغني.
الشيخ: أبدًا، لا يغني عنهم شيئًا، بل لا يزيدهم إلا تحسُّرًا والعياذ بالله، وقد يفتن الإنسان فيصادف القدر حصول مطلوبه عند هذا الشيء، لا بهذا الشيء، هذا لا بأس أن نختار مذهب؟
طالب: الأشاعرة.
الشيخ: الاشاعرة، إذن حصل عنده؟
طالب: لا به.
الشيخ: لا به، لماذا؟ لأننا نعلم علم اليقين أن دعاء هؤلاء ما ينفع، الله في القرآن يقول: ما ينفع مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِفي العراق الجيلاني، في سوريا ابن عربي، وفي جميع الأقطار مع الأسف الشديد، في الأقطار الإسلامية من هذا النوع، قبور أو اللي يزعمون أنهم أولياء، يقولون: إنها تنفع، وأنها تكشف الضر، وأنها تجلب النفع، ومع ذلك لا شك أنها لا تنفع، لو بَقَوْا إلى يوم القيامة ما أجابتهم، حتى إن الحسين بن علي بن أبي طالب بقدرة قادر كان ثلاثة رجال، تيجي للعراق يقولون: عندهم، تيجي للسوريين يقولون: عندنا، تأتي للمصريين يقولون: عندنا، فسبحان من جزأ الواحد.
فهذا من السفه في الواضح؛ سفه في العقول، وسفه في الدين، العامة قد لا يُلامون في الواقع، لكن الذي يلام مَن عنده علم؛ من العلماء ومن غير العلماء أيضًا ممن وفق للفطرة السليمة؛ لأن هذا ما يحتاج إلى دراسة، رجل هامد ميت يُقبَر، هو بنفسه يحتاج إلى أن يُدعى له، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأتي إلى المقبرة اللي في المدينة يدعو لهم ولَّا يدعو منهم؟
طلبة: يدعو لهم.
الشيخ: يدعو لهم، كيف أنك أنت تيجي تطلب منهم المدد؟ هو مسكين الآن يحتاج إلى عفو الله، وإلى مغفرة الله، ما يملك لنفسه شيئًا، فالمهم أن هذه الآية وأمثالها تدل على سفاهة هؤلاء، وأنهم لو اتجهوا إلى الله عز وجل لوجدوا المطلوب.
قال: (وقوله: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل: ٦٢]).
(أم) هنا منقطعة، ولَّا متصلة؟ اللي بيجيب أبي أطالبه (...)، أم متصلة ولَّا منقطعة؟
طالب: منقطعة.
الشيخ: منقطعة، ما الفرق بين المنقطع والمتصل؟
طالب: المنقطعة بمعنى: بل.
الشيخ: نعم، والمتصلة؟
طالب: بمعناها الحقيقي.
الشيخ: ويش؟ المتصلة بمعنى (أو)، والمنقطعة بمعنى (بل)، الفرق الثاني: المتصلة لا بد فيها من ذكر المعادل، والمنقطعة لا يشترط فيها ذكر المعادل، تقول: أعندك زيد أم عمرو؟
طالب: متصلة.
الشيخ: متصلة ولَّا منقطعة؟
طالب: متصلة.
الشيخ: هذه متصلة، أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥] هذه أيضًا متصلة.
أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الطور: ٣٦]؟ هذه منقطعة؛ لأنها ما تعادل ما قبلها أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؛ يعني: بل أخلقوا السموات والأرض؟ فصاروا الآن.. هنا أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّما ذكر لها معادلًا، فتكون؟
طالب: منقطعة.
الشيخ: منقطعة بمعنى (بل)، والهمزة، من يجيب المضطر إذا دعاه؟
الْمُضْطَرَّأصلها المضتر الذي أصابه الضَّرر، والذي أصابه الضرر يدعو من يزيل عنه الضرر، وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: ٨٣]، متى استجيب؟
طالب: (...).
الشيخ: متى؟
طالب: في الحال.
الشيخ: في الحال فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ [الأنبياء: ٨٤]، في البحر تهب الرياح وتعلو الأمواج فيدعون الله عز وجل فيكشف ما بهم ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يكشف ما بهم في الحال، وكم من ضرورة وقع فيها الإنسان فدعا الله عز وجل فاستجاب له رأي العين، ما فيها يعني أي إشكال، فمن الذي يجيب المضطر؟ أبوه؟
طالب: لا.
الشيخ: أمه؟ قريبه؟ لا، ما يجيب ضرورته إلا الله عز وجل؛ ولهذا قال لكن لا الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُقيده؛ لأن المضطر إذا لم يدعُ الله قد يكشف ضره، وقد لا يكشف، لكن إذا دعا التجأ إلى الله عز وجل، وأظهر افتقاره إلى ربه وحينئذ تنزل عليه الرحمة إذا دعاه.
وقوله: وَيَكْشِفُ السُّوءَيَكْشِفُبمعنى: يزيل، والسُّوءَما يسوء المرء، وهو دون الضرورة؛ لأن الإنسان قد يساء بما لا يتضرر به، لكن كل ضرورة فهي؟
طالب: سوء.
الشيخ: تسوء الإنسان، وَيَكْشِفُ السُّوءَهل هذه معطوفة؛ يعني: هي معطوفة باللفظ، لكن هل هي متعلقة بما قبلها بالمعنى، وأنه إذا أجابه كشف سوءه، أو هي مستقلة، يجيب المضطر إذا دعاه ثم أمر آخر يكشف السوء، المعنى الأخير أعم؛ لأنها تشمل كشف سوء المضطر، أيش بعد؟
طالب: وغيره.
الشيخ: وغيره، وعلى التقدير الأول، تكون خاصة بكشف سوء المضطر، ومعلوم أنه كلما كان المعنى أعم كان أولى.
وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِهذه أيضًا مما تؤيد إن كل جملة مستقلة عن الأخرى، وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِمن الذين يجعلون خلفاء الأرض؟
طالب: عباد الله.
الشيخ: عباد الله الصالحين وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥]، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: ٥٥]، هذا هو الذي يجيب المضطر ويكشف السوء، ويجعلنا خلفاء الأرض مَن؟
طالب: عباد الله الصالحين.
الشيخ: ولهذا قال: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل: ٦٢] وهذا الاستفهام بمعنى النفي، أو بمعنى الإنكار، وهما متقاربان، يعني هل أحد مع الله يفعل ذلك؟ الجواب: لا، لا أحد يفعل ذلك، فإذا كان الأمر هكذا فإنه يجب أن تُصرَف العبادة إلى الله، يجب أن يُوجَّه السؤال إلى مَن؟ إلى الله، هل تَطْلُب من أحد أن يزيلَ ضرورتك وهو لا يستطيع؟
طالب: لا.
الشيخ: يكشف سوءك وهو لا يستطيع؟ لا.
ولكن يبقى عندنا إشكال في أن الإنسان المضطر يدعو غير الله ويستجيب، مثلًا: إنسان مضطر إلى طعام، قال لصاحب الطعام: أعطني من الطعام، أنقذني، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
طالب: لأنه يملك الطعام.
الشيخ: يجوز، لكن يجب أن تعتقد أن هذا سبب، لا مستقل، فالله تعالى جعل لكل شيء سببًا، هذا السبب يمكن الله يصرف قلبه ويقول: ما أنا معطيك، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: ممكن، ويمكن أن الله سبحانه وتعالى يُسَخِّره لك ويعطيك، فأنت عندما تسأل، ما نقول: لا تسأل أحدًا عند الضرورة، إذا كان يستطيع أن يكشف ضرك، اسأله لكن يجب أن تعتقد أنه أيش؟
طالب: سبب.
الشيخ: مجرد سبب، كما أنك تأكل وتعتقد أن هذا الأكل يَسُدُّ جوعتك على أنه مجرد سبب، ولو شاء الله لأكلت ولا شبعت.
ويُذكَر لنا أن سنة مرَّت على البلاد، يُسمِّيها العوام سنة الجوع، يأكلون ولا يشبعون، وحدثني إنسان أدركتُه حيًّا رحمه الله يقول: إنه دخل من طرف البلد ليشتري لهم تمرًا، فدخل وذهب إلى شخص من الناس وأخذ التمر منه، ما هو شراء يبغي يجيب من صاحب البستان (...) وصلوه إلى صاحب البستان، قالوا: (...) تمر، فذهب وجاء إلى صاحب المحل، وقال: أعطني تمرًا، فأعطاه التمر، أظنكم تعرفون الزنبيل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الزبيبي بس ما هو الزبيبي الكبير، أعطاه إياه وقال: اطلع به إلى الجماعة، يمكن بعضكم يعرف المحفر؟ تعرفون المحفر اللي (...)، أخذه، لكنه قبل ما يأخذه قدم له تمرًا، وقدم له قهوة، تمر (...) ثلاثة كيلو، أكل وطلع والتمر على رأسه، ويأكل التمر ويأكل، لما وصل الجماعة في البستان وإذا التمر (...)، كل الزبيبي أكله، والعياذ بالله، (...) فلو شاء الله لأكلت ولا شبعت، لأنه يقول: كل الأشياء التي يحصل بها الأمور هي مجرد؟
طالب: مجرد سبب.
الشيخ: مجرد سبب.
طالب: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّما نقدر قبلها جملة (...)؟
الشيخ: لا، ما لها حاجة.
طالب: هل تأتي الهمزة بمعنى النفي؟
الشيخ: إي نعم، كل الاستفهام سواء بالهمزة أو بـ(هل) يأتي بمعنى النفي.
(وروى الطبراني بإسناده: أنه كان).
قوله: (بإسناده) يشير المؤلف وغيره إذا قال: (بإسناده) إلى أن المعنى أن هذا الإسناد ليس على شرط الصحيح مثلًا، أو على الشرط المتفق عليه، بل هو إسناده الخاص وعليه فيجب أن يراجع هذا الإسناد؛ لأنه ليس كل إسناد لمُحدِّث يكون قد تمت فيه شروط القبول.
طالب: إسناده تكلم عليه؟
الشيخ: على إسناده؟ ويش يقول؟
طالب: يقول: ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث ، أقول: وابن لهيعة خلط من احتراق كتبه.
الشيخ: إي صحيح، على كل حال إذا وافق رجاله رجال الصحيح قد يوافق، إنما إذا قيل بإسناده فمعناه أن هذا الإسناد يجب أن يُنظَر فيه، فليس من الإسناد المتفق عليه بين الناس، وهو إسناد خاص بهذا المنسوب إليه.
وقوله: (أنه كان في زمن النبي) لم يذكر المؤلف الراوي الصحابي، وذكر في الشرح أنه عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
(أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين) مَن المنافق؟ الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهؤلاء كثروا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام بعد غزوة بدر، لما انتصر المسلمون في غزوة بدر، ورأوا أن للمسلمين شوكة برز النفاق، لأنه كان بالأول الكافر يعلن كفره ولا يبالي، لكن لما قوي المسلمون خافوا وصاروا والعياذ بالله يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.
وقوله: (منافق) مَن هذا المنافق؟ لم يذكر ولم يُسَمَّ، فيُحتمَل أن يكون عبد الله بن أُبَيٍّ؛ لأنه مشهور بإيذاء المؤمنين، ويحتمل أن يكون غيره، واعلم أن أذية المنافقين للمسلمين ليست بالضرب أو بالقتل؛ لأنهم لا يتظاهرون بذلك، فإنهم يتظاهرون بأي شيء؟
طالب: بمحبة المسلمين.
الشيخ: بالإسلام، ومحبة المسلمين، لكن الإيذاء بالقول والتعريض وما أشبه ذلك، مثلما صنعوا في قصة الإفك، فهم يؤذون المؤمنين بالتَّعريض والتحريش بينهم وما أشبه ذلك.
(فقال بعضهم: قوموا بنا) بعض من؟
طالب: بعض المؤمنين.
الشيخ: بعض الصحابة (قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم مِن هذا المنافق) نطلب منه الغوث، وهو: إزالة الشدة.
(من هذا المنافق) إما بزجره، أو بتعزيره، أو بما يناسب المقام، المهم أنهم يطلبون من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يغيثهم من أذيته، فقاموا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقالوا: إنا نستغيث بك يا رسول الله من هذا المنافق، من أين نعرف أنه حصل هكذا؟ من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي» فيكون في الحديث إيجاز حذف؛ يعني: حذف منه كلمات دل عليها السياق.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي» ظاهر الجملة النفي مطلقًا، أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يستغاث به مطلقًا، ويحتمل أن يكون المراد: لا يستغاث بي في هذه القضية المعينة، فعلى الرأي الأول يكون نفي الاستغاثة به من باب التأدُّب في اللفظ؛ لأن نفي الاستغاثة بالرسول عليه الصلاة والسلام ليس على إطلاقه؛ إذ إن الاستغاثة به فيما يقدر عليه؟
طالب: جائزة.
الشيخ: جائزة ولَّا لا؟
طالب: جائزة.
الشيخ: جائز، وعلى هذا فيكون هذا النفي من باب التعدد في الألفاظ، وليس من باب الممنوع معنى؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كغيره يُستغاثُ به فيما يقدر عليه، أما إذا قلنا: إن النفي هذا عائد على القضية المعينة التي استغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم منها فإنه يكون على الحقيقة، أي: على نفي المعنى، أي: لا يستغاث بي في مثل هذه الصورة لماذا؟ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعامل المنافقين معاملة من؟
طالب: المسلمين.
الشيخ: المسلمين، ولا يمكنه عليه الصلاة والسلام حسب الحكم الظاهر للمنافقين، لا يمكنه أن ينتقم من هذا المنافق انتقامًا ظاهرًا، إذ إن المنافقين يتسترون، فيكون المعنى أن الاستغاثة بالرسول عليه الصلاة والسلام في هذه القضية المعينة بقتل هذا الشخص أو نحو ذلك هذا أمر لا يمكن، ولكن المعنى الأول أظهر في اللفظ، أولًا: لعموم النهي: «لَا يُسْتَغَاثُ بِي»، هذا عام للقضية هذه وغيرها.
وثانيًا: قوله: «وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ». وهو أيضًا ظاهر أن المراد العموم، وعليه فيكون من باب التأدب في الألفاظ، على أنه أيضًا لا يستغاث بالنسبة للتخلص من المنافق إلا بمن؟
طالب: إلا بالله.
الشيخ: إلا بالله؛ لأن الحاكم ما يستطيع أن يحكم بخلاف ظاهر حاله، فحينئذٍ لا يستغاث إلا بالله سبحانه وتعالى من أذية هذا المنافق، والخلاصة الآن أن هذا الحديث يحتمل أن يراد به عموم التبرؤ من الاستغاثة، وعليه فيكون هذا؟
طالب: من باب التأدب.
الشيخ: من باب التأدب في الألفاظ، وأن الرسول علمهم أن يجعلوا دائمًا اللجوء إلى من؟
طلبة: إلى الله.
الشيخ: إلى الله عز وجل في كل الأمور، وإما أن يكون لا يستغاث بي في هذه القضية المعينة؛ وذلك لأنه يعامل المنافقين معاملة؟
طالب: المسلمين.
الشيخ: المسلمين، فلا يستطيع أن يُخَلِّص المسلمين منه بالقتل أو بأمر لا يتظاهر فيه، ولكن الذي يُلجأ إليه في هذا الأمر الخفي، من هو؟
طالب: الله.
الشيخ: الله عز وجل، والمؤلف ساقة لبيان أنه لا يُستغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه المستغاث به، وإنما يستغاث بالله سبحانه وتعالى وحده.
وقوله تعالى عن موسى: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى [القصص: ١٥]، ويش تُحمَل عليه؟
طالب: فيما يقدر عليه.
الشيخ: على أن هذا فيما يقدر عليه، والغوث إزالة الشدة، وإزالة الشدة ممن يقدر عليه ما ينافي التوحيد.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فيه مسائل: الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص).
وهذا في الترجمة، عندكم المسائل دول؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هذا في الترجمة، ويش هي الترجمة؟ ترجمة الباب؟
طالب: (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره).
الشيخ: إي نعم، قوله: (يستغيث) الاستغاثة: نوع من الدعاء، و(يدعو): أعم، فهو من باب عطف العام على الخاص، وهو سائغ في اللغة العربية ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش مثل؟
طالب: قوله تعالى: (...).
الشيخ: لا، هذا عطف الخاص على العام.
طالب: العام على الخاص؟
الشيخ: إي، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ [الحج: ٧٧]، فإن العبادة أعم من الركوع والسجود، والركوع والسجود داخل فيها ولَّا لا؟
طلبة: داخل فيها.
الشيخ: داخل فيها، هذا من باب عطف العام على الخاص، وهو جائز في اللغة العربية، وفي القرآن، وفي السنة أيضًا.
(الثانية: تفسير قوله: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦]).
الخطاب لمن؟
طالب: لكل مَنْ يصح خطابه.
الشيخ: أو للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الآيات اللي قبلها فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [يونس: ٩٤، ٩٥]، لا ما هي هذه الآية؟ معكم المصحف؟
طالب: نعم.
الشيخ: فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٤ - ١٠٦] فالخطاب إذن لمن؟
طالب: للرسول عليه الصلاة والسلام.
الشيخ: للرسول صلى الله عليه وسلم خاصة، فإذا قال قائل: كيف ينهاه الله سبحانه وتعالى عن أمر لا يمكن أن يقع منه شرعًا؟ قلنا: هذا (...) أن ينهى عنه لغرض التنديد بمن فعل ذلك؛ يعني: كأنه يقول: لا تسلك هذه الطريق التي سلكها أهل الضلال، فيكون الغرض من ذلك هو التنديد لمن سلك هذه الطريقة، وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَوإن كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يقع منه هذا شرعًا، وتقدم الكلام على فوائد الآية وشرحها.
(الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر) منين يؤخذ؟
أخذه المؤلف من قوله: فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَمضافًا إلى قوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، فقال: إن الظالمين المراد بهم؟
طالب: الشرك.
الشيخ: هذا وجه الدلالة من الآية على أنه شرك أكبر.
(الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره، صار من الظالمين) هذا منين يا إخوة؟
طالب: من عموم الآية.
الشيخ: من عموم الآية، والخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام وهو أصلح الناس، فإذا فعلته إرضاء لغيري، فإنك من الظالمين، حتى لو أردت أن تجامل مثلًا إنسان مشرك بدعاء صاحب القبر، أو الولي، أو ما أشبه ذلك، إرضاء له فإنك تكون مشركًا؛ لأنه لا تجوز المحاباة في دين الله عز وجل.
(الخامسة: تفسير الآية التي بعدها)، وهي: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس: ١٠٧]، هذا المراد بالآية التي بعدها.
طالب: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ.
الشيخ: أو قوله: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ.
المهم أن الآيات اللي بعدها: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَتفسيره مناسب للباب، فإذا كان لا يكشف الضر إلا الله، فمن أحق من أن يستغاث به؟
طالب: الله.
الشيخ: الله عز وجل؛ لأنه لا يكشف الضر إلا هو، فإذا كان لا يكشف الضر إلا هو، وجب أن تكون الاستغاثة بالله عز وجل.
(السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرًا) منين نأخذه؟
طلبة: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ.
الشيخ: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَفلن تنتفع من دعائه هذا بناء على أنه يريد بالآية؛ الآية التي في نفس السورة.
(السابعة: تفسير الآية الثالثة) منين؟
طالب: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ.
الشيخ: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَوأنا عندي يحتمل أن الثالثة هي قوله: وَمَنْ أَضَلُّ، لكن قوله: (الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله) فيه دلالة أن المراد بتفسير الآية الثالثة؟ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَابتغوا الرزق عند من؟
طالب: عند الله.
الشيخ: عند الله، ووجه انحسار طلب الرزق في الله، تقديم؟
طالب: العام على الخاص.
الشيخ: تقديم قوله: عِنْدَ اللَّهِ، وقد سبق لنا أن قوله: عِنْدَ اللَّهِحال من الرِّزْقَفعلى هذا يكون رزقه عند الله وحده.
(الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تُطلَب إلا منه).
طالب: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ.
الشيخ: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَلكن الجنة ما تطلب إلا منه، هل في الآية ما يشير إلى هذا؟
طالب: إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
الشيخ: ممكن أن يؤخذ من قوله: وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فإن العبادة سبب، والشكر سبب لدخول الجنة، لا سيما وأنه أشار إلى ذلك بقوله: إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
(التاسعة: تفسير الآية الرابعة) وهي قوله؟
طالب: وَمَنْ أَضَلُّ.
الشيخ: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِوسبق لنا أن معنى الآية: أنه لا أحد أضل من شخص يدعو من دون الله من لا يستجيب له، لو بقي يدعوه إلى يوم القيامة ما استجاب له، وبينا أن قوله: مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِأن هذا القيد؟
طالب: بيان للواقع.
الشيخ: بيان للواقع فلا مفهوم له.
(العاشرة: أنه لا أضل) أي: لا أحد أضل (ممن دعا غير الله) واضح من الآية، وَمَنْ أَضَلُّيعني: هذا الاستفهام بمعنى النفي.
(الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه) لقوله؟
طالب: وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ.
الشيخ: وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥]، هُمْيعود على من؟
طالب: المدعوون.
طالب آخر: أو الداعون.
الشيخ: لا، وَهُمْأي: الداعون، عن دعاء الداعين، عَنْ دُعَائِهِمْ: أي: دعاء الداعين، أو عن دعاء الداعين إياهم، اللي فيها احتمال هو الضمير الثاني، وهو قوله: عَنْ دُعَائِهِمْ، وأما هُمْالأولى فإنها تعود إلى من؟
طلبة: المدعوين.
الشيخ: إلى المدعوين لا غير، فهذا المدعو غافل، والمراد بالغفلة لازمها وهو عدم الاستجابة.
(الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له).
طالب: لأن تلك الدعوة عبادة.
الشيخ: لا، لأن تلك الدعوة سبب، لبغض المدعو للداعي وعداوته له، تؤخذ من قوله؟
طالب: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ.
الشيخ: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٦].
طالب: (...).
الشيخ: أيش تقول عليها؟
طالب: اللي بعده، السورة اللي بعده.
الشيخ: (الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو) منين تؤخذ؟
طالب: وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ.
الشيخ: وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ [الأحقاف: ٦] فسمى الله الدعاء عبادة، فالدعاء عبادة، فدعاؤهم لهؤلاء هو عبادة لهم في الواقع؛ ولهذا قال: وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ.
(الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة) ويش معنى كفره بها؟ أنه إذا كان يوم القيامة تبرَّأ منها وأنكرها، فالكفر بالشيء معناه رده وإنكاره فهؤلاء يوم القيامة يتبرؤون من دعوة الداعين لهم، ويكفرون بهم.
(الخامسة عشرة: أن هذه الأمور هي سبب كونه أضل الناس) أيش هي الأمور؟
طالب: يدعون غير الله.
الشيخ: يدعو من دون الله من لا يستجيب له، الثاني: أنه غافل عن دعائهم، الثالث: أنه إذا حُشِر الناس كان له عدوًّا، الرابع: أنه يكفر بعبادته.
وبهذه الأمور الأربعة صار من يدعو غير الله أضل الناس؛ لأن حقيقة الأمر الآن ما انتفع من هذا الدعاء بأي شيء، بل إنه ما ازداد به إلا عداوة من المدعو، وكفرًا به، وتبرأ منه.
(السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة) وهي قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل: ٦٢]، والمضطر واقع في الشدة، فمن الذي يستغيث؟ يستغيث الله؛ لأنه لا يجيبه إلا الله عز وجل، وقد سبق لنا في تفسير الآية أنه كم من أحوال كثيرة يقع الإنسان فيها في شدة وليس عنده من ينقذه فيُيَسِّر الله له أسبابًا ينقذه بها، من الأمم السابقة، وفي هذه الأمة، فإن موسى وقومه لما وصلوا إلى البحر وكان خلفهم فرعون وقومه، هذه شدة عظيمة؛ لأنهم إن عبروا البحر غرقوا، وإن لم يعبروا صاروا فريسة لفرعون وقومه؛ ولهذا قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦١، ٦٢]، فأنقذه الله من هذه الشدة.
(السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان بأنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين).
وهذا كما قال المؤلف: أمر عجيب، يعرفون أنه ما يجيب المضطر إلا الله، ومع ذلك يدعون غير الله، ويركعون له، ويسجدون له، والعياذ بالله، وإلى الآن موجود في الأمم مَنْ يسجد للأصنام المنحوتة التي نحتوها هم بأنفسهم، يقفون أمامها خاشعين وتنهمر دموعهم من البكاء، ويسجدون على الأرض تعظيمًا لها، هذا شيء موجود إلى الآن، والعياذ بالله، ففي الحقيقة هذا من الغرائب؛ أن هؤلاء المشركين يشركون بالله، وإذا وقعوا في الشدة دعوا الله مخلصين له الدين، وكان عليهم -لو كانت أصنامهم حقًّا- أن يتجهوا إلى الأصنام، إلا أن من المشركين اليوم من هم أشد من المشركين السابقين، إذا وقعوا في الشدة دَعَوْا أولياءهم؛ إذا كان الأمر بسيطًا دعوا الله، يعني: يدعون مثلًا علي بن أبي طالب يقولون: يا علي، إذا وقعوا في شدة لا أعظم منها. وإذا كانوا يريدون شيئًا كماليًّا دعوا الله عز وجل. إذا أرادوا أن يحلفوا حَلِفًا لا يكذبون فيه، حلفوا بعلي بن أبي طالب وغيره من أوليائهم، وإذا أرادوا أن يحلفوا حلفًا يكذبون به؟
طلبة: حلفوا بالله.
الشيخ: حلفوا بالله، هؤلاء أشد والعياذ بالله شركًا من شرك الأوليين.
(الثامنة عشرة: حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد والتأدب مع الله).
المؤلف إذن يختار أن قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ» من باب التأدب بالألفاظ، والبعد عن التعلق بغير الله، وأن يكون تعلق الإنسان دائمًا بالله عز وجل، فهو يُعَلِّم الأمة أنهم إذا وقعوا في الشدائد لا يلجؤون إلا إلى الله عز وجل، ولا ينطقون بلفظ الاستغاثة إلا بالله سبحانه وتعالى.
طالب: النبي عليه الصلاة والسلام في هذه القصة (...) يعلم حال المنافق (...).
الشيخ: نعم، يعرفهم، وقد أخبر حذيفة بأسماء أناس معينين.
طالب: يعني: لماذا (...)؟
الشيخ: إي نعم، يمكن نستنبطها، ممكن نقول، بس إنما المشكلة الآن أن الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن العلة، قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» فخشي أن يكون في ذلك تنفير عن الإسلام؛ لأنه إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ما دخل الناس في الدين، فإذا كانت هذه المسألة ستوجد في الوقت الحاضر، يعامل هذا معاملتهم، يعاملوا معاملتهم، ثم إن المنافقين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ما يظهرون النفاق، يتسترون به، لكن مَنْ أظهر نفاقه وعَلِمنا، يظهره بين، هذا ما يمكن أن نعامله معاملة المسلم.
طالب: هم أظهروا.
الشيخ: ما أظهروه.
طالب: (...).
الشيخ: لأنهم لما رأوا أذيَّته حكموا عليه بالنفاق من علاماته.
طالب: الاستغاثة والاستعانة (...) أو الواسطة بين النبي؛ يعني: معناها واحد ولا بينها فرق (...)؟
الشيخ: لا، بينهم فرق؛ الاستعاذة معناها الاعتصام بالمستعاذ به، وإن كنت لا أريد أن يعصمني من هذا الشيء المعين، والاستغاثة: اعتصام به من شيء معين، والاستعانة: طلب العون، وإن لم يكن الإنسان في شدة، بل حتى في الأمور الكمالية التي لست بضرورة إلى زوالها، أو لست في ضرورة إلى تحصيلها تستعين به، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَتُعينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ» .
طالب: الواسطة.
الشيخ: نعم؟
طالب: الإنسان الواسطة؟
الشيخ: الواسطة ويش لون؟
طالب: اللي هي واسطة (...).
الشيخ: هذه الواسطة، ليس بين الله وبين عباده وسائط، في مسألة الدعاء، لكن في مسألة الشرع نعم، بينه وبين الخلق واسطة وهم؟ الرسل. أما في مسألة الدعاء ما يمكن أن يكون بيننا وبين الله واسطة؛ ولهذا ما يجوز أني أقول مثلًا للرسول صلى الله عليه وسلم الآن: كن واسطة بيني وبين ربك في كذا وكذا، وأما إذا كان الإنسان حيًّا وهو ممن يُرجَى إجابة دعوته، فلا بأس أن أطلب منه أن يدعو الله لي، كما قال عمر رضي الله عنه للعباس بن عبد المطلب: قم فادعوا الله لي ولابني، وكما كان الصحابة يأتون الرسول عليه الصلاة والسلام يقولون: ادعوا الله لنا.
طالب: قول الرسول (...).
الشيخ: آية المنافق.
طالب: (...).
الشيخ: تكلمنا عليه البارحة في الدرس، وقلنا: إن العلامة معناها: أن مَنْ تخلَّق بهذه الأخلاق فقد تخلَّق بأخلاق المنافق خالصًا، فمعنى مَنْ تخلق بالحسد ففيه من أخلاق اليهود، فهذا معناه أن هذه آية المنافق، وليست هي النفاق، فعلامة الشيء ليست هي الشيء، لكن معناها أن هذه الخصال مما يمارسه المنافقون، فإذا اجتمعت الأربع صار الإنسان ممارسًا لجميع أخلاق المنافقين.
طالب: يعني: هذا غير ظاهر.
الشيخ: لا، ظاهر، لكن النفاق..